بقلم/ عبدالله علي ابورشيد – فرسان الرياضة
قبل أن تنطلق صافرة أول مباراة كرة قدم، وقبل أن تُشيَّد الصالات وتُرصَف الملاعب، كانت الرياضة حاضرة… ولكن بأسماء أخرى، وبأدوات من البيئة، وبنظام فطري لم يُدرَّس في الجامعات.
كان أجدادنا يمارسون الرياضة لا كرفاهية أو هواية، بل كجزء أصيل من الحياة اليومية، يزرع في الأجسام القوة، وفي الأنفاس الطول، وفي العقول الذكاء والمكر.
تلك الحقبة، التي قد يمرّ عليها البعض مرور الكرام، كانت مليئة بالألعاب التي تُوازي – بل وتُضاهي – رياضات اليوم من حيث المردود البدني والذهني. ولعل المثل الشعبي المعروف:
“إذا قال لك الشاب جوعان صدقه، وإذا قال لك تعبان لا تصدقه”
يُجسِّد هذه الروح خير تجسيد، فالشباب آنذاك لا يعرفون التعب إلا بعد حراك طويل، ولعب متواصل، وجهد بدني يستدعي الجوع لا الكسل.
“قَب قَلِين”: تمرين التنفس المغلف بالعقوبة
من الألعاب التراثية البارزة لعبة “قَب قَلِين”، التي تعتمد على منافسة نَفَسية من طراز خاص.
الخاسر في اللعبة يُلزم بترديد كلمة “سَلِي” دون انقطاع، سعيًا للوصول إلى نقطة محددة، وإن لم يتمكن يُعاد التحدي بمسافة أطول.
كانت هذه اللعبة وسيلة لتدريب النفس على التحمل والسيطرة، وكأنها تمرين تنفسي متقدم لا يقل أهمية عن تدريبات السباحة أو الغوص اليوم.
“تنافسني”: منافسة في أعماق الماء
في عيون الماء، حيث الصفاء والعمق، كان الشباب يمارسون لعبة تُعرف بـ**“تنافسني”**.
يتسابقون تحت الماء: من يصمد أكثر؟ من يتحكم في رئتيه؟
هي ليست لعبة فحسب، بل تجربة متكاملة في الصمود والثقة والسيطرة على الجسد، وكل ذلك بلا أدوات، بلا عدّاد ثوانٍ، فقط بالإرادة.
“الهول” و”الطير”: رشاقة دون كرة
لم تكن الكرة جزءًا أساسيًا في كل الألعاب، بل الجسد هو محور اللعب.
في ألعاب مثل “الهول” و**“الطير”**، تظهر مهارات المراوغة والسرعة والارتداد، فتتطلب لياقة عالية وقدرة على المناورة بكامل الجسد.
هذه الألعاب صنعت شبابًا يملكون رِجل الفهد وذكاء الصقر، دون الحاجة لحذاء رياضي أو تمارين إحماء.
الصبة: الرياضة الذهنية في ثوب طفولي
وفي الجانب العقلي، تبرز ألعاب مثل “الصبة” التي تبدأ بـ”بيت أبو ثلاث” ثم “أبو ستة”، وصولًا إلى “أبو تسعة”، حيث التدرج في التحدي يُنمِّي التركيز والذاكرة والتخطيط.
تُشبه إلى حد بعيد ألعاب الذكاء الحديثة، لكن بجاذبية تراثية، وتكامل حركي يجعل الذهن والجسد في انسجام مستمر.
وما خفي كان أعظم…
وما ذُكر من ألعاب هنا ليس إلا غيضًا من فيض. فلو فتحنا صفحات التراث كلها، لوجدنا عشرات الألعاب الأخرى، منها ما هو بدني، ومنها ما هو ذهني، ومنها ما يجمع بين الإثنين في آنٍ واحد.
لكن المقام لا يتسع لها جميعًا، ولو تناولنا كل لعبة بتفاصيلها وقواعدها وقيمتها التربوية، لاحتجنا إلى مساحاتٍ وصفحات، وربما مجلدات.
ولهذا، نكتفي اليوم بهذه النماذج، على أن نعود في مقالات قادمة – بإذن الله – إلى تلك الألعاب واحدة تلو الأخرى، نشرح كيف كانت تُمارَس، وما تحققه من أهداف، وكيف يمكن إعادة إحيائها بروح العصر دون أن نفقد جوهرها الأصيل.
الرياضة لم تولد مع الحداثة… بل كانت في أصلنا
نحن لا نستحدث مفاهيم اللياقة أو التحمل أو التركيز، بل نُعيد تسميتها وتغليفها.
رياضات الأجداد كانت مدرسة في الصبر، في الانضباط، في الالتزام الجماعي، دون حكم ولا جائزة، سوى الاحترام والمكانة داخل المجتمع.
ختامًا… دعوة لإعادة اكتشاف الجذور
نحتاج اليوم إلى إعادة النظر في هذه الألعاب، لا بوصفها “تراثًا ترفيهيًا”، بل كمنهج رياضي واجتماعي يمكن أن يُسهم في بناء شخصية الشاب، وتعزيز لياقته البدنية والذهنية.
لعلنا حين نمارس “قَب قَلِين” أو “تنافسني”، ندرك أن الرياضة الحقيقية ليست في الأندية فقط، بل في الشغف بالحركة، والمتعة بالتحدي، والتدرّب على الصبر والتحمّل، حتى وإن كان الثمن… مجرد “عقوبة” بسيطة في لعبة شعبية!

