بقلم/ عبدالله ابورشيد – فرسان الرياضة
أَرْضُ الْجُدُودِ عَلَى ثَرَاكِ تَرَعْرَعُوا
جِيلًا بِجِيلٍ، وَالْحَضَارَةُ تُعْلَمُ
فِيكِ الْأَطِبَّاءُ الْكِبَارُ تَخَرَّجُوا
عِلْمًا يُضِيءُ وَفِكْرُهُمْ يَتَقَدَّمُ
وَمُهَنْدِسُونَ عَلَى خُطَاكِ مَضَوْا إِلَى
صَرْحٍ يُشَيَّدُ بِالْمَعَارِفِ يُحْكَمُ
عَوَّامُ يَا أُمَّ الْأَصَالَةِ إِنَّنِي
أَهْوَى هَوَاكِ، وَفِيكِ دَوْمًا نَحْلُمُ
في العواميّة، تلك البلدة الوادعة على ضفاف القطيف، لا تُقاس القيمة بعدد بيوتها أو اتساع طرقاتها، بل بما أنبتت أرضها من عقول وبما ربت من أجيال. فهي الأرض التي أنجبت الطبيب الحاذق والمهندس المبدع والمعلم الذي يزرع بذرة العلم في كل عقل عطِشٍ للمعرفة.
لم تكن العواميّة يومًا مجرد مكانٍ على الخريطة، بل كانت رحمًا للفكر والإبداع، أمًّا حملت أبناءها على جناحي التفوّق، فغدت بحق “أمّ الأطباء”، بل و”أمّ المهندسين” أيضًا.
إنها البلدة التي جعلت من العلم إرثًا متوارثًا، ومن الإبداع سيرة ممتدة عبر الزمن. فأكثر بيوتها لا تخلو من طبيبٍ أو طبيبة، وكأنها وهبت للوطن قلبًا نابضًا بالعافية، وصوتًا يتردّد في كل ميدان اختصاص: من الطبّ، إلى الهندسة، إلى التعليم.
وما بين يد الطبيب التي تداوي، وعقل المهندس الذي يبني، يقف المعلم، ذلك الباني الأول، الذي صنع الطبيب والمهندس معًا، وترك أثره في كل سطر من سطور التفوق.
ومن رحم هذه الأرض المباركة، برز المهندس محمد أبوفور، ابن العوامية، الذي حمل في يديه إرث الأسلاف وإصرار المعاصرين. لم يكن نجاحه صدفة، بل ثمرة رحلة طويلة عنوانها التحدي، وسطرها الإبداع، وجوهرها العزيمة التي لا تنكسر.
هو امتداد لأولئك الذين شقوا قنوات الري للبساتين، وبنوا بيوتًا باردة في الصيف دافئة في الشتاء، وصنعوا مصائد الأسماك بمهارة هندسية فطرية؛ غير أن أبوفور أضاف إلى ذلك بُعدًا عالميًا، إذ ارتقى إلى منصة الشرف العالمية حين أصبح أوّل سعودي وأوّل عربي ينال جائزة “Philip D. Johnson Honorary Award” لعام 2025، أعلى وسام عالمي في الفحوصات غير الإتلافية.
إنه إنجاز لا يُقاس بصفته الفردية فحسب، بل بكونه شاهدًا على أن الطموح حين يولد في أرضٍ معطاءة كالعوامية، فإنه لا يعرف سقفًا.
فأبوفور لم يمثّل نفسه وحده، بل حمل معه اسم العوامية والقطيف والمملكة إلى مصاف العالمية، ليكون رمزًا من رموز رؤية السعودية 2030، وشاهدًا حيًا على أن الاستثمار في العقول الوطنية قادر على أن يكتب للتاريخ صفحة من نور.
ونحن أبناء العوامية، لنا الفخر والاعتزاز بهذا الإنجاز، ونُهديه بكل حب ووفاء إلى وطننا الغالي، قيادةً وشعبًا، عربونَ ولاء وانتماء، ورسالة أمل بأن العقول الوطنية قادرة على أن ترفع اسم المملكة عاليًا بين الأمم.
اليوم، ونحن نقرأ خبر فوزه، لا نحتفل بإنجاز رجلٍ واحد فقط، بل نحتفل ببلدة بأكملها، بذاكرة ممتدة ألى بداية التعليم والجد والاجتهاد، وبشعلة أمل تُضيء للأجيال القادمة طريقًا مفروشًا بالتميز.
لقد أثبت أبوفور أن التحدي هو طريق التميز، وأن العوامية ستبقى أمّ الأطباء، وأمّ المهندسين، وأمّ الحلم الذي لا ينطفئ.

