باسم آل خزعل- فرسان الرياضة
من أحياء مكة المتواضعة إلى مجد الاتحاد والمنتخب السعودي.. رحلة وثقها فيلم “نور” في مهرجان أفلام السعودية الثاني عشر
ليست كل الأساطير تكتب بالأهداف والكؤوس، فبعضها يصنع بالصبر، والإصرار، والقدرة على تجاوز المنعطفات الصعبة. هكذا تبدو رحلة النجم السعودي محمد نور، الذي لم يكن مجرد لاعب كرة قدم، بل قائدا استثنائيا ترك بصمة خالدة في تاريخ نادي الاتحاد مرتديا قميصه صاحب الرقم 18 والمنتخب السعودي ، وأصبح رمزا لجيل كامل من عشاق كرة القدم.
الفيلم الوثائقي «نور»، للمخرج عمر المقري، والمشارك في مهرجان أفلام السعودية الثاني عشر، لا يقدم سيرة رياضية تقليدية، بل يقترب من الإنسان قبل النجم، ويكشف ملامح رحلة بدأت من أحياء مكة المكرمة، حيث ولد الشغف بكرة القدم، وكبرت الأحلام في الملاعب الشعبية، قبل أن تتحول إلى قصة نجاح ألهمت الملايين.
منذ طفولته، امتلك محمد نور موهبة لافتة وشخصية قيادية انعكست على أدائه داخل الملعب. لم تكن بداياته سهلة، لكنه آمن بأن الموهبة وحدها لا تكفي، وأن الاجتهاد والانضباط هما الطريق الحقيقي لصناعة المجد. ومع انضمامه إلى نادي الاتحاد، بدأت مرحلة جديدة من التحديات، ليصبح مع مرور السنوات القلب النابض للفريق، وقائده في واحدة من أكثر الفترات إشراقًا في تاريخ النادي، محققًا بطولات محلية وقارية، ومساهمًا في ترسيخ مكانة الاتحاد على الساحة الآسيوية.
ولا يكتفي الفيلم باستعراض لحظات المجد، بل يسلط الضوء على الوجه الآخر من مسيرة محمد نور، حيث يتناول التحديات الإدارية التي عاشها النادي خلال سنوات مختلفة، وما صاحبها من تغيرات متكررة في الإدارات، وتباين في الرؤى، وظروف أثرت في استقرار الفريق. ويظهر الفيلم كيف وجد نور نفسه في قلب تلك المرحلة، متحملا مسؤوليات القيادة داخل الملعب، بينما كانت الأحداث الإدارية تتسارع خارجه.
كما يرصد العمل الضغوط التي فرضتها تلك الظروف على اللاعبين، وما تطلبه ذلك من تماسك وإصرار للحفاظ على هوية الفريق وروحه التنافسية، مؤكدا أن نجاح أي ناد لا يعتمد على موهبة لاعبيه فحسب، بل على الاستقرار الإداري الذي يشكل أساس الإنجازات واستدامتها.
ويتطرق الفيلم كذلك إلى المحطات الصعبة التي مر بها محمد نور، بما فيها فترات الابتعاد عن الملاعب وما صاحبها من جدل وضغوط إعلامية وجماهيرية، مقدما هذه الأحداث ضمن سياقها الإنساني، وكيف تعامل معها بإصرار ورغبة في الدفاع عن تاريخه ومسيرته، بعيدًا عن الإثارة أو الأحكام المسبقة.
ويتميز ( نور ) بأسلوبه الصادق في السرد، إذ لا يسعى إلى صناعة بطل خال من العثرات، بل يقدم شخصية رياضية واجهت النجاح والإخفاق، والتصفيق والانتقاد، والانتصارات والأزمات، لتصبح قصته أكثر قربا من المشاهد وأكثر قدرة على الإلهام.
لقد نجح المخرج عمر المقري في تقديم عمل وثائقي يثري ذاكرة الرياضة السعودية، ويؤكد أن القصص العظيمة لا تقاس بعدد البطولات فقط، بل بما تتركه من أثر في وجدان الناس، وما تحمله من قيم الوفاء، والصبر، والقيادة، والإيمان بالحلم.
يبقى محمد نور واحدا من أبرز الأسماء التي أنجبتها الكرة السعودية، ليس لأنه رفع الكؤوس وحسب، بل لأنه أثبت أن القائد الحقيقي هو من يواصل العطاء في أصعب الظروف، ويظل حاضرًا في ذاكرة الجماهير حتى بعد إسدال الستار على مسيرته الكروية.
فيلم ( نور ) ليس مجرد توثيق لمسيرة لاعب، بل شهادة على أن النجاح الحقيقي يولد من رحم التحديات، وأن الأساطير لا تصنع في لحظات الانتصار فقط، وإنما في القدرة على النهوض كلما اشتدت العواصف..

