بقلم – منير ابوبشيت
توجهت بعض الأندية السعودية في السنوات الأخيرة إلى إلغاء أو تقليص عدد من الألعاب الجماعية بدافع ترشيد النفقات وتحقيق الاستدامة المالية، الأمر الذي يطرح تساؤلًا مهمًا: هل أصبحت الألعاب الجماعية ضحية للمعادلة الاقتصادية؟
وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 15 ناديًا أوقف أو جمّد بعض ألعابه الجماعية خلال السنوات الأخيرة، في فترات متفاوتة، وكان التركيز الأكبر على ألعاب كرة اليد وكرة السلة والكرة الطائرة. وقد انعكس ذلك بصورة مباشرة على تقلص قاعدة الممارسين، وتراجع أعداد المواهب في الفئات السنية، ما يهدد مستقبل هذه الألعاب على المدى البعيد.
وتُعد أندية الهلال والاتفاق والخليج والنور والأهلي والوحدة والصفا والهدى من أبرز المدارس الرياضية التي أسهمت في صناعة أجيال من النجوم في مختلف الألعاب الجماعية، وقدمت للمملكة إنجازات مشرفة على المستويين الخليجي والآسيوي. ويكفي أن نتذكر الإنجازات المتكررة لناديي الخليج والنور في كرة اليد، إلى جانب إسهامات الأهلي في بطولات كرة السلة والكرة الطائرة، وهي نجاحات لم تكن لتتحقق لولا الاهتمام المستمر بهذه الألعاب وبناء منظومة قوية للفئات السنية.
ولا ينسجم تقليص الألعاب الجماعية مع الطموحات الرياضية التي تتبناها رؤية المملكة 2030، والتي تستهدف بناء مجتمع أكثر حيوية، وتوسيع قاعدة الممارسين للرياضة، واكتشاف المواهب الوطنية، وصناعة أبطال قادرين على المنافسة في المحافل الإقليمية والدولية. فتنوع الألعاب داخل الأندية يعد ركيزة أساسية لتحقيق هذه المستهدفات، وليس مجرد نشاط إضافي يمكن الاستغناء عنه.
ومن حق إدارات الأندية السعي إلى تحقيق الاستدامة المالية، إلا أن الحل لا ينبغي أن يكون بإلغاء الألعاب الجماعية، بل بإعادة هيكلتها، ورفع كفاءتها الإدارية، وتسويقها بصورة احترافية، واستقطاب رعاة متخصصين، مع منح الأندية التي تحافظ على تنوع ألعابها حوافز ودعمًا إضافيًا يشجعها على الاستمرار.
كما أن وزارة الرياضة والاتحادات الرياضية مطالبة بتوسيع برامج الدعم، وربط جزء من التمويل بعدد الألعاب النشطة ومستوى المشاركة في الفئات السنية، إلى جانب تعزيز الشراكات الاستثمارية مع القطاع الخاص، حتى لا تتحول الألعاب الجماعية إلى عبء مالي، بل إلى استثمار وطني في صناعة الأبطال.
إن مستقبل الرياضة السعودية لا يُبنى بكرة القدم وحدها، بل بمنظومة رياضية متكاملة تضمن استدامة جميع الألعاب، وتوسع قاعدة الممارسين، وتصنع أبطالًا قادرين على تمثيل المملكة في مختلف المحافل القارية والعالمية.
فالاستثمار الحقيقي ليس في لعبة واحدة، بل في الإنسان. وعندما نحافظ على الألعاب الجماعية، فإننا نحافظ على تاريخ الأندية، ونصنع مستقبل الرياضة السعودية، ونعزز مكانة المملكة كقوة رياضية رائدة في مختلف الألعاب، انسجامًا مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 التي جعلت الرياضة أحد أهم روافد التنمية وجودة الحياة.

