عبدالمحسن الجحلان – فرسان الرياضة
ظل التحكيم السعودي لسنوات طويلة واحدًا من أكثر الملفات حضورًا في النقاش الرياضي، خصوصًا مع نهاية كل جولة تشهد حالات مثيرة للجدل أو قرارات تحكيمية تؤثر في نتائج المباريات. وبين مطالبات الأندية والجماهير برفع مستوى الحكم المحلي، وبين البرامج التي تُقام لتطويره وتأهيله، يبقى السؤال الأهم: هل تسير عملية التطوير في الاتجاه الصحيح؟ وهل المعسكرات الخارجية، ومنها معسكر إسبانيا، قادرة بالفعل على صناعة حكم مختلف فنيًا وشخصيًا؟
إقامة معسكر للحكام السعوديين في إسبانيا تبدو في ظاهرها خطوة إيجابية، فكل احتكاك بتجارب متقدمة والاستفادة من الخبرات الدولية أمر يستحق الدعم. لكن القيمة الحقيقية لأي معسكر لا تقاس باسم الدولة التي يُقام فيها ولا بعدد الأيام التي يقضيها الحكام خارج المملكة، وإنما بما يتضمنه البرنامج من محتوى فني، وما يعود به الحكم من معرفة ومهارات يمكن ملاحظتها لاحقًا داخل الملعب.
وهنا يصبح من المشروع أن نسأل: ما الذي قدمه معسكر إسبانيا للحكم السعودي؟ هل تضمن دورات متخصصة ومتقدمة في إدارة المباريات؟ وهل كانت هناك محاضرات يقدمها خبراء تحكيم دوليون؟ وهل خضع الحكام لتطبيقات عملية وتحليل حالات تحكيمية معقدة؟ وهل جرى العمل على الجانب النفسي واتخاذ القرار تحت الضغط وإدارة اللاعبين والتواصل معهم؟ وهل كانت هناك برامج متخصصة في تقنية حكم الفيديو المساعد «VAR»؟
إذا كانت الإجابة نعم، فإن المعسكر يستحق الإشادة، والأهم أن تظهر نتائجه في المنافسات المحلية. أما إذا كان الهدف الأساسي من المعسكر رفع المعدل اللياقي وإجراء التدريبات البدنية والاستعداد للموسم، فمن الطبيعي أن يطرح المتابع سؤالًا مختلفًا: لماذا إسبانيا؟
المملكة تمتلك مواقع مثالية لإقامة المعسكرات الرياضية، ويمكن للحكام إقامة معسكرات لياقية في أبها أو الباحة أو غيرهما من المناطق التي توفر أجواء مناسبة للتدريب. وبالتالي فإن السفر إلى دولة مثل إسبانيا يفترض أن تكون خلفه قيمة فنية إضافية لا يمكن الحصول عليها محليًا؛ من مدارس تحكيمية متقدمة وخبرات دولية وبرامج تدريبية نوعية واحتكاك مباشر مع حكام ومحاضرين يمتلكون تجارب كبيرة في الملاعب الأوروبية والعالمية.
القضية في النهاية ليست إسبانيا أو أبها أو الباحة، وإنما ماذا نريد من الحكم السعودي؟
الحكم المحلي ظل محل انتقاد في فترات مختلفة، وهذا الانتقاد لا يعني التقليل من قدراته أو تجاهل وجود حكام مميزين، لكنه يعكس حجم التطلعات المنتظرة منه في دوري بات يستقطب أسماء عالمية كبيرة ويحظى بمتابعة دولية واسعة. ومع هذا التطور الهائل في كرة القدم السعودية، أصبح من الضروري أن يتطور التحكيم بالسرعة نفسها.
نحن لا نريد حكمًا يتمتع بلياقة بدنية عالية فقط، بل نريد حكمًا يمتلك شخصية قوية، وقراءة ممتازة للمباراة، وسرعة في اتخاذ القرار، وثباتًا في تطبيق القانون، وقدرة على التعامل مع الضغوط. نريد حكمًا لا يتغير معيار قراراته من مباراة إلى أخرى، ويستطيع إدارة المواجهات الكبرى بالثقة نفسها التي يدير بها بقية المباريات.
كذلك فإن المشاركات الدولية للحكام السعوديين يجب أن تكون أحد المؤشرات المهمة لقياس نجاح مشروع التطوير. الوصول إلى البطولات الكبرى خطوة مهمة، لكن الأهم أن يكون للحكم السعودي حضور مؤثر وناجح فيها، وأن يصبح اسمه حاضرًا باستمرار في المباريات الكبيرة والمراحل المتقدمة من البطولات القارية والدولية. هنا فقط نستطيع القول إن برامج الإعداد والتأهيل بدأت تحقق أهدافها.
التحكيم اليوم أصبح علمًا متكاملًا، ولم يعد مجرد معرفة بمواد القانون واختبار لياقة قبل بداية الموسم. هناك تحليل أداء، وتدريب نفسي، وتقنيات حديثة، ومحاكاة لحالات المباريات، وتقييم مستمر، ودراسة لطريقة الحركة والتمركز وزوايا الرؤية والتواصل مع طاقم التحكيم. لذلك فإن إعادة صياغة الحكم السعودي يجب أن تكون مشروعًا متكاملًا، لا مجموعة معسكرات متفرقة.
ومن المهم أيضًا أن تكون نتائج برامج التطوير قابلة للقياس. بعد كل موسم يجب أن نعرف: هل انخفضت الأخطاء المؤثرة؟ هل ارتفع عدد الحكام السعوديين في المشاركات الدولية؟ هل أصبح الحكم المحلي أكثر قدرة على قيادة المباريات الكبرى؟ وهل ارتفعت ثقة الأندية واللاعبين والجماهير به؟
هذه المؤشرات أهم بكثير من الإعلان عن إقامة معسكر هنا أو دورة هناك.
نحن نتمنى للحكم السعودي النجاح، لأن قوة التحكيم المحلي جزء أساسي من قوة المسابقة نفسها. كما أن وجود حكم سعودي يحظى بثقة الأندية ويصل إلى أعلى المستويات القارية والعالمية يمثل نجاحًا للرياضة السعودية بأكملها.
لذلك فإن معسكر إسبانيا يمكن أن يكون خطوة مفيدة، ولكن فائدته الحقيقية ستظهر داخل المستطيل الأخضر، لا في مكان إقامته. فالهدف ليس أن نقول إن حكامنا عسكروا في أوروبا، وإنما أن نشاهد بعد عودتهم حكمًا أكثر ثقة، وأفضل تمركزًا، وأسرع قرارًا، وأكثر ثباتًا وعدالة.
وعندها فقط يصبح السفر إلى إسبانيا استثمارًا في تطوير الحكم السعودي، وليس مجرد معسكر كان بالإمكان إقامته في أبها أو الباحة.

