بقلم / عبدالمحسن الجحلان
أصبح هبوط مستوى الهلال بعد الدقيقة الخامسة والخمسين ظاهرة تستحق التوقف والدراسة، وليست مجرد تفصيل عابر في مباراة واحدة. الفريق يبدأ غالبًا بصورة قوية، ويفرض أسلوبه، ويضغط على منافسه، ويصنع الفرص ويسجل الأهداف، لكنه لا يحافظ على النسق نفسه حتى صافرة النهاية. كرة القدم لا تُلعب لمدة (55) دقيقة فقط، بل تمتد إلى (90) دقيقة كوقت رسمي، يضاف إليها وقت بدل ضائع قد يصل إلى عشر دقائق أو أكثر؛ ولذلك يجب أن يكون الفريق حاضرًا بدنيًا وذهنيًا وتكتيكيًا طوال زمن المباراة،المشكلة التي تظهر بعد الدقيقة الخامسة والخمسين لا تتعلق بانخفاض المجهود البدني وحده، بل تشمل تراجع التركيز، واتساع المسافات بين خطوط الفريق، وضعف الضغط على حامل الكرة، وسهولة وصول المنافس إلى مناطق الهلال. في بداية المباراة نشاهد تقاربًا واضحًا بين الدفاع والوسط والهجوم، وسرعة في استعادة الكرة بعد فقدانها، لكن مع مرور الوقت تتباعد الخطوط، ويتراجع بعض اللاعبين، بينما يبقى آخرون في الأمام، فينقسم الفريق إلى مجموعتين وتظهر مساحات كبيرة يستطيع المنافس استغلالها،هذا ما ظهر عندما تقدم الهلال بفارق مريح وسجل أربعة أهداف، ثم استقبل هدفين وكاد أن يستقبل الهدف الثالث. كان يفترض أن تمنح النتيجة الفريق هدوءًا أكبر وقدرة على التحكم في إيقاع المباراة، لكن الذي حدث أن الهلال فقد توازنه وأتاح لمنافسه العودة إلى أجواء اللقاء. صحيح أن الفريق حافظ على انتصاره، لكن الطريقة التي انتهت بها المباراة لا يمكن تجاهلها؛ لأن المنافس الأقوى قد يعاقب الهلال على هذا التراجع، وقد يحوّل تقدمه إلى تعادل أو حتى خسارة،
بعد الدقيقة الخامسة والخمسين، يتحول الهلال أحيانًا من فريق يفرض المباراة إلى فريق يتعامل مع أحداثها بردة الفعل. يقل الاستحواذ المنظم، وتزداد التمريرات المقطوعة، ويصبح خروج الكرة من الخلف أكثر صعوبة، كما يتأخر اللاعبون في الارتداد عند فقدانها. وفي الوقت نفسه يتقدم الظهيران، ولا يجد قلبا الدفاع الحماية الكافية أمامهما، فيضطران إلى مواجهة الهجمات المرتدة في مساحات واسعة. هنا يظهر الخلل الحقيقي: الفريق لا يدافع كوحدة واحدة، ولا يهاجم وهو مؤمّن دفاعيًا،الهلال يحتاج بصورة واضحة إلى لاعب محور دفاعي قوي يؤدي دور «الرقم 6». والمقصود ليس مجرد لاعب يجيد الالتحامات أو افتكاك الكرة، بل لاعب يملك قراءة ممتازة للملعب، ويعرف أين يقف ومتى يتقدم ومتى يتراجع. يحتاج الفريق إلى محور يحمي المنطقة أمام قلبي الدفاع، ويغلق العمق، ويقطع الهجمات المرتدة، ويمنح الظهيرين حرية التقدم من دون أن يفقد الفريق توازنه. كما يجب أن يكون قادرًا على استلام الكرة تحت الضغط وبدء الهجمة بتمريرات صحيحة،وجود لاعب «رقم 6» بهذه المواصفات سيخفف الضغط عن الدفاع، ويعيد التوازن إلى خط الوسط، ويساعد الهلال على التحكم في المباريات عندما يتقدم بالنتيجة. اللاعب القوي في هذا المركز لا تظهر قيمته فقط بعدد الكرات التي يقطعها، بل بقدرته على منع الخطورة قبل حدوثها، وتنظيم مواقع زملائه، وضبط سرعة اللعب. فعندما يحتاج الهلال إلى الهجوم يسرّع نقل الكرة، وعندما يحتاج إلى تهدئة المباراة يحافظ عليها ويجبر المنافس على الركض خلفها،لكن التعاقد مع لاعب محور قوي لن يكون الحل الكامل إذا لم يصاحبه تنظيم دفاعي واضح. الهلال يحتاج إلى تحسين المسافات بين خطوطه، وتنظيم الضغط الجماعي، وتحديد الأدوار عند فقدان الكرة. يجب أن يعرف كل لاعب مسؤوليته في اللحظة التي تنتقل فيها الكرة إلى المنافس: من يضغط؟ ومن يغطي؟ ومن يحمي العمق؟ كما يجب ألا يتقدم الظهيران في الوقت نفسه من دون تغطية، وأن يبقى عدد كافٍ من اللاعبين خلف الكرة لمواجهة أي هجمة مرتدة.
المدرب مطالب أيضًا بإدارة الفترة التي يبدأ فيها أداء الفريق بالانخفاض. فإذا كانت المؤشرات تتكرر بعد الدقيقة الخامسة والخمسين، فلا بد من التدخل المبكر بالتبديلات أو بتغيير الرسم التكتيكي، بدل انتظار المنافس حتى يسجل. وقد يحتاج الفريق عند تقدمه إلى زيادة الكثافة في وسط الملعب، أو إشراك لاعب يمنحه القدرة على الاحتفاظ بالكرة، أو مطالبة أحد الظهيرين بالبقاء في الخلف. التبديل الناجح ليس فقط إدخال لاعب جديد، بل معالجة المشكلة التي تظهر داخل الملعب،كما أن اللاعبين مطالبون بالتعامل مع التقدم بجدية أكبر. تسجيل ثلاثة أو أربعة أهداف لا يعني أن المباراة انتهت، ولا ينبغي أن يتحول الاطمئنان إلى تراخٍ. الفرق الكبيرة تحافظ على شخصيتها وانضباطها مهما كانت النتيجة، وتعرف كيف تغلق المباراة من دون أن تتراجع بصورة عشوائية. المطلوب من الهلال أن يلعب بعد الدقيقة الخامسة والخمسين بالعقلية نفسها التي يبدأ بها المباراة، مع إدارة أفضل للمجهود والكرة والمساحات،الهلال يملك جودة هجومية كبيرة وقدرة على الوصول إلى مرمى أي منافس، لكن البطولات لا تُحسم بما يقدمه الفريق في جزء من المباراة. الدرس واضح: لا بد من إعادة التوازن، والتعاقد مع لاعب (رقم 6) قوي، وبناء تنظيم دفاعي يحمي الفريق طوال 90 دقيقة وما بعدها. إذا عالج الهلال هذا الخلل، فسيتحول من فريق مميز لمدة (55) دقيقة إلى فريق متكامل يعرف كيف يبدأ المباراة بقوة، وكيف ينهيها بالقوة والانضباط نفسيهما.

