بقلم / حمود بخيت الزهراني
أربعة عقود تفصل بين ماردٍ كان يصنع المنافسة، ونادٍ يبحث اليوم عن طريق العودة.
أربعة عقود تغيّر فيها الكثير، إلا أن اسم النهضة بقي حاضرًا في ذاكرة الرياضة السعودية، شاهدًا على زمن كان فيه النادي أحد أبرز ألوان المشهد الرياضي في المنطقة الشرقية.
فالنهضة ليس مجرد فريق كرة قدم، ولا مجرد اسم في سجلات البطولات والمسابقات؛ بل هو ذاكرة رياضية عريقة لمدينة الدمام والمنطقة الشرقية، وكيان كان في يوم من الأيام حاضرًا بقوة، ينافس، ويملك شخصية، وجمهورًا، ونجومًا، وهيبة داخل الملعب وخارجه.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، وبكل ألم:
كيف تحول مارد الدمام من طرف في المنافسة إلى نادٍ يبحث عن طريق الخروج من الدرجة الثالثة؟
هذا السؤال لا يحتاج إلى إجابة عابرة، ولا إلى البحث عن كبش فداء، بقدر ما يحتاج إلى شجاعة في التشخيص، وصدق في الاعتراف.
فما وصل إليه النهضة اليوم لم يكن وليد موسم واحد، ولا نتيجة قرار عابر، بل هو حصيلة سنوات من التراجع والتراكمات، وتعاقب الظروف والإدارات، حتى أصبح النادي أمام واقع لا يشبه تاريخه.
مارد الدمام.. حين كان للنهضة صوت
قبل أكثر من أربعة عقود، كان للنهضة حضور مختلف.
كان اسم مارد الدمام حاضرًا في المنافسة، وكانت مواجهاته مع الاتفاق والقادسية جزءًا أصيلًا من المشهد الكروي في المنطقة الشرقية.
لم يكن النهضة تابعًا لأحد، ولم يكن حضوره تكميليًا.
كان فريقًا له شخصيته، وجمهوره، ونجومه، وهيبته.
كانت مبارياته تحمل قيمة تتجاوز النتيجة؛ لأنها كانت تجمع الجماهير، وتشعل المنافسة، وتصنع ذكريات بقيت عالقة في وجدان أبناء المنطقة.
في ذلك الزمن، كانت الدمام تعرف ثلاثة أسماء كروية كبيرة في المشهد:
النهضة.. الاتفاق.. القادسية.
أما اليوم، فقد تغيرت الصورة إلى درجة مؤلمة.
جيل لا يموت من الذاكرة
حين تستعيد تاريخ النهضة، لا يمكنك أن تتجاوز ذلك الجيل الذي حمل القميص وصنع للنادي حضوره ومجده.
جيل ارتبطت أسماؤه بذاكرة النادي، وفي مقدمتهم:
خالدين، محمد الزوري، عيسى حمدان، مطر الجوهر، مقبل الدنيني، فهد المرجان، أحمد النباط، ماجد الهملان، محمد الرويعي «حميدو»، خالد المهيزعي، خالد الفهيد، عبدالله العزمان، عبدالعزيز العشبان، إبراهيم الغدير، يوسف الغدير، ناصر المنصور، عنبر جاسم، شبيب طرجم، عبدالعزيز المحيني وغيرهم من نجوم النهضة.
لم تكن تلك الأسماء مجرد لاعبين مروا على النادي.
كانوا جزءًا من هويته.
كانوا يعرفون ماذا يعني أن ترتدي شعار النهضة، ويلعبون من أجل القميص والجمهور واسم النادي.
ولهذا بقيت أسماؤهم حاضرة رغم مرور العقود.
فاللاعب قد يرحل، والإدارة تتغير، والموسم ينتهي، لكن التاريخ لا يرحل.
الدرجة الثالثة.. ليست مكان المارد
لنكن واضحين:
الدرجة الثالثة لا تليق بتاريخ نادي النهضة.
وهذه ليست إساءة للدرجة الثالثة أو للأندية التي تنافس فيها، وإنما هي قراءة لحجم الفارق بين تاريخ النهضة وموقعه الحالي.
أن يكون نادٍ كان يومًا جزءًا من المنافسة، وله تاريخ وجمهور ونجوم، ثم يجد نفسه في الدرجة الثالثة، فهذه ليست مجرد نتيجة رياضية.
إنها إشارة إنذار.
إشارة تقول إن شيئًا ما انكسر في هذا الكيان.
تعاقبت الإدارات.. وبقي السؤال
تعاقب الرؤساء والإدارات، وتغيرت الأجهزة الفنية واللاعبون، لكن السؤال بقي:
لماذا لم يتغير واقع النهضة؟
لماذا لم تنجح الإدارات المتعاقبة في وضع النادي على طريق العودة؟
ولماذا أصبح الصعود هدفًا كبيرًا، بعد أن كان النهضة نفسه طرفًا في المنافسة؟
وهنا يجب أن نكون منصفين.
ليس من العدل تحميل إدارة واحدة مسؤولية سنوات طويلة من التراجع، لكن في الوقت ذاته لا يمكن الاستمرار في التعامل مع الأزمة وكأنها مؤقتة.
فالنهضة يحتاج إلى مراجعة شاملة، لا إلى مجرد تغيير أسماء، بل إلى مشروع يعالج جذور المشكلة ويضع النادي على طريق الاستقرار والعودة.
إنصاف الإدارة الحالية.
ومن باب الإنصاف، لا بد من الإشارة إلى أن الإدارة الحالية لنادي النهضة، برئاسة المهندس إبراهيم المولد ومعاونيه، تجتهد وتعمل وتسعى إلى خدمة النادي، وفق الإمكانيات والظروف المتاحة.
والحديث عن واقع النهضة وتراجعه لا يعني بأي حال من الأحوال تحميل الإدارة الحالية وحدها مسؤولية سنوات طويلة من التراجع والتراكمات؛ فالإدارة تسلمت إرثًا ثقيلًا، وتعمل في ظروف ليست سهلة، وتحاول بما تملك من إمكانيات أن تجد طريق الخروج بالنادي من واقعه الحالي.
لكن الحقيقة التي يجب أن تقال أيضًا:
اليد الواحدة ما تصفق.
فالنهضة أكبر من أن تكون مسؤولية مجلس إدارة واحده، وأكبر من أن يُطلب من إدارة واحدة أن تعالج سنوات من التراجع بمفردها.
النادي يحتاج إلى تكاتف أبنائه، ودعم رجالاته، ووقفة أعضاء شرفه، ومساندة رجال الأعمال، والاستفادة من أصحاب الخبرة، والالتفاف الجماهيري حول الإدارة، كلٌ من موقعه وبقدر استطاعته.
والإدارة الحالية تحتاج إلى الدعم والمساندة بقدر ما تحتاج إلى النقد والمساءلة.
فالهدف ليس محاكمة أحد، وإنما إنقاذ النهضة.
ومن هنا، فإن الوقوف مع الإدارة الحالية لا يعني إغلاق باب النقد، كما أن نقد بعض القرارات لا يعني التقليل من جهود القائمين على النادي.
المطلوب أن تتكامل الأدوار، وأن تتوحد الجهود، وأن يدرك الجميع أن نهضة النهضة مسؤولية جماعية.
فاليد الواحدة لا تصفق، والنهضة لا يمكن أن يعود إلى مكانه الطبيعي بجهد شخص أو مجموعة محدودة.
أين أبناء النهضة؟
ربما يكون السؤال الأكثر إيلامًا:
أين أبناء النادي؟
أين نجومه السابقون؟
أين الإداريون الذين عاشوا سنوات النهضة؟
أين أصحاب الخبرة الذين يعرفون تاريخ النادي وتفاصيله؟
وأين الشخصيات التي تستطيع أن تقدم المشورة وتختصر الطريق؟
ليس المطلوب أن يعود كل أبناء النادي إلى مقاعد الإدارة، وإنما المطلوب ألا تبقى خبراتهم بعيدة عن المشهد.
النادي الذي يملك تاريخًا بهذا الحجم يجب أن يستفيد من ذاكرته.
فالخبرة التي لا تُستثمر تتحول مع الوقت إلى خسارة.
أين أعضاء الشرف ورجالات النادي؟
كان للنهضة في الماضي رجال يقفون خلفه، يدعمون النادي، ويساندون إداراته وفرقَه، ويشكلون جزءًا من منظومته.
أما اليوم، فإن أحد أبرز التحديات التي تواجه النادي هو غياب الحضور الشرفي ورجالات النهضة عن المشهد بالصورة التي تتناسب مع حجم النادي وتاريخه.
النهضة بحاجة إلى إعادة بناء هذه العلاقة.
ليس من أجل الماضي فقط، وإنما من أجل المستقبل.
فالمال مهم، لكنه ليس كل شيء.
هناك الدعم، والخبرة، والعلاقات، وصناعة القرار، والالتفاف حول النادي.
وهذه كلها عناصر يحتاجها النهضة اليوم أكثر من أي وقت مضى.
أين المؤثرون وصناع القرار؟
وهنا السؤال الأوسع:
أين المؤثرون ورجال الأعمال وصناع القرار في المنطقة الشرقية عن النهضة؟
كيف يمكن لنادٍ تاريخي في مدينة الدمام أن يصل إلى هذه المرحلة دون أن يتحول ملفه إلى قضية رياضية ومجتمعية تستحق الاهتمام؟
النهضة لا يبحث عن شفقة.
ولا يريد أن يعيش على ذكريات الماضي.
إنه يريد فرصة حقيقية ليعيد بناء نفسه.
والفرصة تبدأ عندما يؤمن الجميع بأن إنقاذ النهضة مسؤولية مشتركة.
لم الشمل.. قبل كل شيء
قبل التعاقد مع مدرب جديد.
وقبل البحث عن لاعب جديد.
وقبل الحديث عن ميزانية جديدة.
هناك خطوة أهم:
لم الشمل.
البيت النهضاوي يحتاج إلى أن يجلس أبناؤه على طاولة واحدة.
أن تبتعد المجاملات.
أن تختفي الخلافات.
أن تتقارب وجهات النظر.
الاستفادة من دروس الماضي
وأن يصبح الاختلاف في الوسيلة، لا في الهدف.
فالهدف واحد:
نهضة النهضة.
ومن المؤسف أن يبقى أبناء الكيان مختلفين، بينما الكيان نفسه يدفع الثمن.
النهضة اليوم لا يحتاج إلى جبهة داخلية جديدة، بل يحتاج إلى جبهة نهضاوية واحدة.
سيدات النهضة.. رسالة لا يمكن تجاهلها
وفي وسط هذا المشهد، جاءت سيدات النهضة ليقدمن واحدة من أجمل الرسائل.
فريق النهضة النسائي يصعد إلى الدوري الممتاز لكرة القدم.
إنجاز يستحق الفخر والتقدير والاحتفاء، لكنه في الوقت نفسه يحمل رسالة مهمة لفريق الرجال:
كيف استطاعت سيدات النهضة الوصول إلى الدوري الممتاز، بينما يقبع فريق الرجال في الدرجة الثالثة؟
السؤال هنا ليس للمقارنة أو الانتقاص من إنجاز السيدات، بل على العكس تمامًا.
نجاح سيدات النهضة يجب أن يكون مصدر إلهام للرجال.
لقد أثبتن أن النهضة قادر على الوصول عندما تتوافر الرؤية والعمل والتنظيم والطموح.
والكرة الآن في ملعب فريق الرجال.
الجمهور.. لم يتخلَّ
أما جمهور النهضة، فلا يمكن وضعه في خانة المقصرين.
هذا الجمهور انتظر.
وحضر.
وشجع.
وتحمل.
وعاش سنوات طويلة من الصعود والهبوط، والفرح والانكسار.
لم يكن الجمهور هو من تخلى عن النهضة.
بل كان في كثير من الأحيان آخر من بقي متمسكًا بالأمل.
ولهذا فإن من حق هذا الجمهور اليوم أن يسأل:
إلى أين يتجه النادي؟
وأن يعرف:
ما المشروع؟
ما الهدف؟
متى يعود النهضة؟
ومن سيعيده؟
العودة لا تحتاج إلى معجزة
الحقيقة أن عودة النهضة ليست مستحيلة.
لكنها تحتاج إلى قرار.
تحتاج إلى مشروع واضح.
وتحتاج إلى رجال يؤمنون بأن النادي يستحق أكثر مما هو عليه الآن.
تحتاج إلى عمل وفق استراتيجية، لا وفق ردود الأفعال.
تحتاج إلى الاستثمار في الفئات السنية.
وتطوير الألعاب المختلفة والحفاظ عليها.
ودعم الرياضة النسائية.
واستقطاب الكفاءات.
وقبل كل ذلك، تحتاج إلى إعادة بناء الثقة بين النادي وأبنائه وجماهيره.
والأهم:
أن يكون الصعود من الدرجة الثالثة هدفًا مرحليًا، وليس نهاية الطموح.
فالنهضة يجب ألا يسأل فقط:
كيف نصعد؟
بل يجب أن يسأل:
كيف نبني ناديًا لا يعود إلى السقوط مرة أخرى؟
المرحوم فيصل الشهيل.. الأب الروحي للنهضاويين
وعندما نتحدث عن النهضة وتاريخه ورجاله، لا يمكن أن يغيب اسم المرحوم فيصل الشهيل.
فقد كان حضوره في نادي النهضة أكبر من منصب أو صفة شرفية.
كان حبًا وانتماءً وعطاءً ووفاءً.
رجل لم يبخل على النادي بحبه ولا بدعمه ولا بوقته، وظل قريبًا من النهضة وأبنائه، يحمل هم النادي، ويفرح لإنجازاته، ويتألم لتراجعه.
كان فيصل الشهيل واحدًا من أولئك الرجال الذين ارتبطت أسماؤهم بتاريخ النهضة وذاكرته، وتركوا بصمة لا تمحوها السنوات.
رحل الجسد.. وبقيت السيرة.
وبقي الوفاء.
وبقي اسم فيصل الشهيل حاضرًا في ذاكرة كل نهضاوي؛ رئيسًا فخريًا، وأبًا روحيًا، ورمزًا من رموز الوفاء للنهضة.
وإذا كان للنهضة اليوم أن يستعيد ماضيه، فإن أول ما يجب أن يستعيده هو ذاكرة رجاله.
وأسماء النجوم التي صنعت لها اسم في خارطة الكيان لم تكن مجرد قوائم في سجلات النادي.
كانت وجوهًا وأقدامًا صنعت الحكاية، وكانت جزءًا من هوية النهضة التي يتذكرها الجمهور حتى اليوم.
مارد الدمام.. هل يعود؟
ربما لا يحتاج النهضة إلى من يذكره بأنه كان كبيرًا.
هو يعرف تاريخه.
وجمهوره يعرفه.
ونجومه السابقون يعرفونه.
والمنطقة الشرقية تعرفه.
لكن التاريخ وحده لا يكفي.
الماضي يمنحك الاسم.. والحاضر يفرض عليك العمل.. والمستقبل لا ينتظر أحدًا.
لقد كان النهضة يومًا مارد الدمام.
كان طرفًا في المنافسة.
كان له جمهور ونجوم وهيبة.
ثم ابتعد.
وتراجع.
ووصل إلى مكان لم يكن أحد يتخيل أن يراه فيه.
لكن المارد الذي ينام يمكن أن يستيقظ.
وما يحتاجه النهضة اليوم ليس معجزة، وإنما إرادة نهضاوية صادقة.
إرادة تجمع أبناء النادي.
وتعيد أعضاء الشرف.
وتستدعي أصحاب الخبرة.
وتستقطب الداعمين.
وتحترم الجمهور.
وتبني فريقًا للمستقبل.
كلمة أخيرة .
لنكن قساة مع الواقع، لكن منصفين مع الرجال.
لنختلف، لكن لا ننقسم.
لنعترض، لكن لا نهدم.
ولننتقد، لكن بهدف الإصلاح.
فالنهضة أكبر من إدارة.
وأكبر من رئيس.
وأكبر من لاعب ومدرب.
النهضة تاريخ واسم وجمهور وذاكرة مدينة.
ومن حق هذا التاريخ أن يحصل على فرصة جديدة.
ومن حق جمهور المارد أن يحلم.
ومن حق أبناء النهضة أن يروا ناديهم في المكان الذي يستحقه.
ومن حق الدمام أن تستعيد أحد أهم ألوانها الرياضية.
مارد الدمام لم يمت.. لكنه نام طويلًا.
وهو اليوم يحتاج إلى من يوقظه.
يحتاج إلى من يجمع أبناءه.
يحتاج إلى من يؤمن به.
ويحتاج إلى مشروع يعيد له شخصيته ومكانته.
فهل آن الأوان أن يجتمع النهضاويون جميعًا، ويقولوا:
كفى ابتعادًا عن المنافسة.. كفى سنوات من الانتظار.. حان وقت عودة المارد.
النهضة يستحق أكثر.
والدرجة الثالثة ليست مكانه.
مارد الدمام.. حان وقت الاستيقاظ

