الرياض – فرسان الرياضة
لا تُقاس الجامعات بعدد مبانيها ولا بكثرة برامجها وحدها بل بما تصنعه من إنسان وما تتركه من أثر وما تمنحه للوطن من كفاءات قادرة على حمل المسؤولية وصناعة المستقبل. ومن يتأمل مسيرة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية يدرك أنه أمام مؤسسة عريقة لم تكتفِ بالمحافظة على إرثها بل أحسنت الانطلاق منه نحو آفاق علمية أوسع، حتى غدت اليوم واحدة من الجامعات السعودية التي تجمع بين رسوخ الهوية وحداثة المعرفة.
بدأت جامعة الإمام من ميادين ارتبط اسمها بها طويلاً في الشريعة واللغة العربية والدراسات الإسلامية وقدمت في هذه التخصصات أجيالاً من العلماء والقضاة والأكاديميين والمفكرين الذين كان لهم حضورهم في مؤسسات الدولة والمجتمع. غير أن اعتزاز الجامعة بجذورها لم يجعلها أسيرة لتخصص بعينه بل كان أساساً لتوسع مدروس حافظ على الشخصية العلمية للجامعة وفتح أبوابها أمام التحولات التي شهدها التعليم وسوق العمل في المملكة.
وكان الإعلام من أبرز محطات هذا التحول. فمن رحم كلية الدعوة والإعلام، نشأت تجربة أكاديمية أسهمت في إعداد كوادر حضرت في الصحافة والإذاعة والتلفزيون والعلاقات العامة والاتصال المؤسسي. ومع تطور المشهد الإعلامي، واصلت الجامعة تحديث برامجها لتنتقل من التعليم الإعلامي بصورته التقليدية إلى استيعاب الاتصال الرقمي وصناعة المحتوى والبحث الإعلامي، مؤكدة أن المؤسسة العريقة تستطيع أن تتجدد من داخلها من دون أن تفقد هويتها.
ثم جاءت النقلة الكبرى نحو التخصصات العلمية والصحية. فدخلت الجامعة مجالات الطب والهندسة والعلوم، واستثمرت في المعامل والبرامج والكوادر، حتى أصبح خريجو هذه التخصصات جزءًا مهمًا من صورتها الجديدة. ولم يكن إنشاء كلية للطب مجرد إضافة إلى قائمة الكليات بل إعلاناً بأن جامعة الإمام قادرة على المنافسة في التعليم الصحي وإعداد أطباء يجمعون بين الكفاءة المهنية والقيم الإنسانية والمسؤولية المجتمعية.
وفي كلية علوم الحاسب والمعلومات تظهر واحدة من أنجح صور هذا التحول. فقد أثبت خريجو علوم الحاسب ونظم المعلومات حضورهم في جهات العمل، وفي برامج الدراسات العليا، وفي مسارات التقنية والتحول الرقمي. والتميّز الحقيقي هنا لا يختصر في إتقان لغة برمجية أو تقنية عابرة، بل يتمثل في قدرة الخريج على التفكير والتحليل وبناء الحلول والتكيف مع التغير المتسارع. ولهذا أصبحت مخرجات الكلية محل ثقة، وأضحى خريجوها ينافسون بجدارة في سوق يقوم مستقبله على البيانات والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.
ومن دلائل السمعة التي بنتها الجامعة أن خريجيها يواصلون دراساتهم في مؤسسات بحثية كبرى، ومنها جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست) في ثول، وأن عددًا من كوادرها انتقل إلى جامعات ومراكز علمية متقدمة. فحين تفتح مؤسسة بحثية عالمية أبوابها لخريج جامعة الإمام، أو تستقطب كفاءة نشأت في قاعاتها، فإن ذلك يمثل شهادة عملية لقوة التأهيل، ويؤكد أن اسم الجامعة يحظى بتقدير يتجاوز حدودها المحلية.
وخلال السنوات الخمس الأخيرة، قاد معالي رئيس الجامعة الأستاذ الدكتور أحمد بن سالم العامري هذه المسيرة بروح جمعت بين هدوء الإدارة وطموح التطوير. وقد عبر بالجامعة إلى مرافئ النجاح والأمان، ورفع حضورها في مؤشرات الأداء، ودفع نحو تطوير البرامج والخدمات، وربط الجامعة بصورة أوثق بأهداف التنمية الوطنية. وما تحقق في عهده لم يكن وليد قرار منفرد، بل ثمرة رؤية واضحة وعمل مؤسسي شاركت فيه القيادات والكليات والعمادات وأعضاء هيئة التدريس والموظفون والطلاب.
وإلى جانب معاليه يقف جنود النجاح: وكيل الجامعة الأستاذ الدكتور منصور بن عبدالرحمن الحيدري، ووكيل الجامعة للدراسات العليا والبحث العلمي الدكتور نايف بن محمد العتيبي، ووكيل الجامعة للشؤون التعليمية الدكتور عبدالله بن عبدالرحمن الأسمري. ولكل واحد منهم مساحة مؤثرة في هذه المنظومة؛ من تعزيز كفاءة الإدارة، إلى تنمية البحث العلمي، وتطوير التجربة التعليمية، ورفع جودة البرامج ومتابعة مخرجاتها.
كما يمثل عميد القبول والتسجيل الدكتور سليمان بن سليمان العنقري، ووكيل العمادة الدكتور عبدالله بن ناصر الخثلان، واجهة مهمة في رحلة الطالب منذ لحظة القبول حتى التخرج. فالقبول والتسجيل لم يعد إجراءً إداريًا فحسب، بل أصبح منظومة رقمية وتنظيمية تسهم في عدالة الفرص، وسلاسة رحلة الطالب، ودقة الخدمات، وتفتح للجامعة أبوابها أمام كفاءات تستحق أن تحصل على فرصة التعليم والنجاح.
ويبقى من الوفاء أن تلتفت الجامعة إلى تكريم الدكاترة وأعضاء هيئة التدريس الذين صنعوا هذه التحولات، ولا سيما رواد التخصصات العلمية الذين أسسوا البرامج، وبنوا المعامل، وأشرفوا على البحوث، ورافقوا الطلاب حتى صاروا كفاءات يعتز بها الوطن. فالمنشآت مهمة، والخطط ضرورية، لكن الأستاذ المخلص هو الذي يحوّل الخطة إلى معرفة، والمعرفة إلى مهارة، والمهارة إلى أثر.
جامعة الإمام اليوم ليست الجامعة التي بدأت منها فحسب، وليست نسخة من جامعة أخرى؛ إنها جامعة صنعت نموذجها الخاص: عراقة في الجذور، واتساع في التخصصات، وتميز في المخرجات. وهي تقف اليوم شامخة بين الجامعات، لا بتاريخها وحده، بل بما تحققه في حاضرها وما تعد به في مستقبلها. وحين تكون المخرجات بهذا الحضور، فإن الحديث عن الجامعة يصبح حديثًا عن وطن يستثمر في الإنسان، وعن قيادة آمنت بأن المعرفة، مهما تنوعت مجالاتها، هي الطريق الأوثق إلى التنمية والنهضة.

