عبدالمحسن الجحلان — فرسان الرياضة
واصل المنتخب السعودي حصد مكاسبه بالأشكال والألوان وحجز مقعده في نهائي البطولة الخليجية بعد انتصار مثير ومستحق على المنتخب القطري بركلات الترجيح ولم يكن هذا الفوز مجرد عبور لمنافس قوي بل كان خطوة حاسمة وضعت الأخضر على بُعد مباراة واحدة من اللقب الخليجي. خاض المنتخب السعودي مواجهة احتاجت إلى الصبر والهدوء والثقة حتى اللحظة الأخيرة بعدما وجد نفسه أمام فريق أغلق جميع الطرق المؤدية إلى مرماه وشيّد أمام منطقة الجزاء حصوناً دفاعية متماسكة. ومع ذلك ظل الأخضر حاضراً ومبادراً حتى جاءت لحظة الحسم، وكان بطلها الحارس محمد العويس ببسالته وثباته وحضوره الكبير.
دخل الأخضر مباراة نصف النهائي برغبة واضحة في السيطرة وصناعة اللعب وانتزاع بطاقة الوصول إلى النهائي، وتحرك لاعبوه بحثاً عن المساحات إلا أن المنتخب القطري اختار أسلوباً شديد التحفظ. لم يكن اعتماده الأساسي على الهجمات المرتدة السريعة بقدر ما كان هدفه تعطيل اللعب وإغلاق العمق وتقليل المخاطر وسحب المباراة دقيقة بعد أخرى نحو الأشواط الإضافية ثم ركلات الترجيح.
بدا وكأن المنتخب القطري لا يبحث عن صناعة الفوز داخل الملعب بقدر بحثه عن الوصول إلى ما يسمى «ضربات الحظ» معتمداً على كثافة دفاعية أرهقت لاعبي الأخضر وضيقت عليهم مساحات الحركة والتمرير. كانت التحصينات القطرية حاضرة بقوة لكنها لم تنجح في حرمان المنتخب السعودي من بلوغ النهائي الخليجي.
ورغم هذا النهج، قدم المنتخب السعودي مباراة كبيرة من حيث الاستحواذ على المبادرة والرغبة في الهجوم. لم يفقد اللاعبون هدوءهم ولم يندفعوا بصورة عشوائية تفتح المساحات أمام المنافس بل حافظوا على توازنهم وتنظيمهم طوال الوقت الأصلي والأشواط الإضافية وكانت هناك أكثر من لحظة شعر فيها المتابع بأن الهدف السعودي قريب إلا أن اللمسة الأخيرة غابت ولم يظهر اللاعب الحاسم القادر على تحويل الأفضلية الميدانية إلى هدف ينهي المواجهة مبكراً ويقود الأخضر إلى النهائي دون انتظار ركلات الترجيح.
وهنا تبرز ملاحظة فنية مهمة كان يفترض أن يتعامل معها المدرب دونيس بصورة أكثر وضوحاً، فعندما يواجه الفريق دفاعاً متكتلاً داخل منطقة الجزاء، تصبح التسديدات من خارج الصندوق أحد أهم الحلول لتفكيك هذه التحصينات. التسديدة القوية قد تسجل مباشرة وقد تجبر الحارس على إبعاد الكرة بصورة غير مكتملة كما تدفع المدافعين إلى التقدم خطوة لإغلاق المسدد، فتظهر المساحات خلفهم.
الأخضر يملك أسماء تجيد هذا الحل مثل محمد كنو وعبد الله الحمدان وغيرهما، وكان من الممكن منحهم حرية أكبر للتسديد بدل الاستمرار في البحث عن تمريرة مثالية داخل منطقة مزدحمة بالمدافعين.
كما كان بالإمكان تنويع الأدوات الهجومية بصورة أوسع من خلال تسريع نقل الكرة بين الطرفين واستغلال الكرات العكسية وزيادة تحركات لاعبي الوسط من الخلف إلى جانب استخدام التمريرات الأرضية المرتدة من خط النهاية بدل الإكثار من الكرات العالية التي تناسب الدفاع القطري. مثل هذه المباريات لا تُحسم دائماً بالاستحواذ أو كثرة التمرير، بل تحتاج إلى فكرة مفاجئة تكسر النظام الدفاعي وإلى لاعب يتحمل مسؤولية التسديد أو الاختراق في اللحظة المناسبة.
واللافت أن المنتخب السعودي لم يتأثر بمرور الوقت أو بمحاولات المنافس إبطاء الإيقاع بل حافظ على شخصيته ورغبته في المبادرة. وهذه نقطة تحسب للاعبين، لأن مباريات نصف النهائي لا تمنح دائماً الفرص الواضحة وقد تتحول فيها الدقائق الطويلة إلى عبء نفسي يدفع الفريق إلى التسرع، لكن الأخضر بقي منظمًا وواصل المحاولة حتى النهاية، ثم دخل ركلات الترجيح بذهنية الفريق الذي يثق بأنه الأقدر والأحق بانتزاع بطاقة النهائي الخليجي.
ومع استمرار التعادل حتى نهاية الأشواط الإضافية، انتقلت المباراة إلى ركلات الترجيح، وهنا ظهر المعدن الحقيقي للمنتخب السعودي. ركلات الترجيح ليست حظاً خالصاً كما يقال، فهي اختبار للأعصاب والثقة والتركيز وقدرة الحارس على قراءة المسددين. وقف محمد العويس بثبات الأبطال ومنح زملاءه شعوراً بالأمان، وفرض حضوره على لاعبي قطر قبل تنفيذ الركلات.
كان العويس هادئاً وواثقاً ومستعداً للحظة الحسم فتحول من حارس للمرمى إلى قائد للانتصار وبطل لبطاقة التأهل. وببراعته، حطم الأخضر آخر حصون قطر وحسم المواجهة، وأعلن وصول المنتخب السعودي إلى نهائي البطولة الخليجية.
بطولة العويس لا تختصر جهد بقية اللاعبين، لكنها جاءت تتويجاً لصبر فريق كامل رفض الاستسلام أمام جدار دفاعي صعب والأهم أن الأخضر أثبت قدرته على الفوز حتى عندما لا تسير المباراة بالطريقة التي يريدها وهذه صفة أساسية في المنتخبات الكبيرة، فمن السهل أن تنتصر عندما تسجل مبكراً وتجد المساحات لكن القيمة الحقيقية تظهر عندما يضيق الملعب ويتأخر الحسم ويزداد الضغط ثم تبقى متماسكاً حتى آخر ركلة.
نعم، تجاوز الأخضر حصون قطر وانتزع بطاقة الوصول إلى النهائي الخليجي بعد معركة طويلة كشفت الإيجابيات وحددت مواضع التحسين في الوقت نفسه. الانتصار يستحق الاحتفاء، والعويس يستحق أن يكون عنوانه الأول، لكن المهمة لم تنتهِ بعد، فالأخضر أصبح الآن على موعد مع النهائي والطموح لم يعد مجرد الوصول بل اعتلاء منصة التتويج والعودة بالكأس الخليجية.

