بقلم/ سامي ال مرزوق – فرسان الرياضة
في كل بيتٍ قديم، تختبئ حكاية امرأةٍ كانت تمشي بخطوات حذرة، كأنها تخاف أن تزعج الحياة من حولها. امرأة عاشت بصوتٍ خافتٍ وملامح مترددة، كأنها ضيفة في بيتها. تلك الأم التي كانت تستأذن لتفرح، وتخاف أن تضحك، وتعتذر حتى وهي على حق. لم تكن تعلم أن ما تعيشه ليس طبيعياً، بل كانت تظنه القاعدة التي يجب إلا تُكسر. آمنت أن الطاعة نجاة، وأن الاعتراض جريمة أخلاقية، وأن المرأة التي تقول لا تُتهم بسوء الأدب.
نشأت في زمن يُربي فيه البنات على الصمت، وتُغرس فيهن عبارة” السكوت زينة”، فيكبرن وهن يعتقدن أن الصوت الجريء عيب، وأن الرأي تمرد، وأن الحضور الصامت أرقى أشكال الأنوثة، كانت تتعلم من أمها كيف تبلع الغصة بابتسامة، وكيف تخفي وجعها خلف كلماتٍ هادئة كي لا تُتهم بالتمرد. كان الحياء يُربط بالانسحاب، والاحترام يُختزل في السكوت، والتضحية تتحول إلى واجب دائم لا يُسأل عن جدواه.
من تلك التربية خرجت نساءٌ كثيرات ظنن أن الحزن جزء من تكوين الأنثى مثل ملامح وجهها، عشن في بيوت لا تعرف الحوار بل الأوامر، لا تعترف بالمشاعر بل بالواجب. كل شيء كان يُدار بصوتٍ واحد لا يُناقش، وبنظرة تكفي لإسكات رغبةٍ في التعبير. وحين صرن أمهات. نقلن خوفهن إلينا دون قصد، كما تُورث العائلة لون العيون وشكل الملامح. خفن علينا من الخطأ، فربونا على الحذر، علمننا أن الستر أهم من الرغبة، وأن العيب أثقل من الألم، وأن ما سيقوله الناس أهم من ما نشعر به.
لم يقصدن قسوة، ولم يردن أن يخنقن أحلامنا. كن فقط يعيدن إنتاج ما تعلمنه، وهنا نحن، جيل يظن أنه تحرر، نحمل في أعماقنا بقايا خوفٍ قديم لم نعشه بأجسادنا بل بأرواحنا. نخشى الاعتراض، نخاف المواجهة، ونبحث عن رضا الآخرين كما كن يبحثن عن رضا آبائهن وأزواجهن.
كانت تلك الأمهات ضحايا زمن لا يسمع، زمن يرى المرأة واجباً لا كياناً، لم تُمنح لهن فرصة الكلام، فتعلمن أن البوح رفاهية لا تُتاح إلا للقلة. حين يغضبن، يُقال لهن “اصبري فلك الأجر”، وحين يبكين يُقال لهن ” الصبر زينة المرأة الصالحة”. صار الصمت ديناً صغيراً يمارسنه في كل لحظة، وطقساً يومياً يرافقهن حتى في الفرح. كم من امرأة خبأت دموعها تحت عباءتها كي لا يُقال إنها ضعيفة، وكم من وحدةٍ نامت على قهرٍ لم تجد له لغة، وكم من حلم دفنته قبل أن يولد، فقط لأنها تعلم أن الاعتراض لا يُسمع.
كنت في بيت والدي لا أتكلم إلا إذا سُمح لي، وعندما تزوجت، لم أعرف كيف أعبر حتى عن أبسط رغباتي، كنت أخاف من أن يُفهم كلامي على أنه قلة احترام، واليوم، أجد نفسي أكرر الشيء ذاته مع ابنتي، لا لأني أريده بل لأني لا أعرف طريق غيره.
هذه القصة ليست استثناءً، إنها صورة مكررة في كثير من البيوت، “وفقاً لتقارير صادرة عن منظمة الأمم المتحدة للمرأة هي وجهة دولية متخصصة في قضايا المرأة وحقوقها”، حيث نسبة كبيرة من النساء في المجتمعات التقليدية تربين في بيئات تُقدم الامتثال على التعبير، مما يجعل الصمت سلوكاً موروثاً أكثر منه اختياراً، وتشير دراسات اجتماعية عربية إلى أن هذه الأنماط تنتقل عبر الأجيال كالعادات، لا لأن النساء يخترنها، بل لأن البديل لم يكن متاحاً لهن يوماً.
تلك الأم التي نصمت أمامها احتراماً، هي نفسها التي صمتت عمرها خوفاً. كانت تخبئ نفسها خلف الطاعة كي لا تعاقب، وتؤجل رغبتها كي لا تتهم بالجحود. كانت تظن أن الحزن قدرها، وأن الفرح جرأة لا تليق بها. ومع ذلك أحبت بصدق، وخافت علينا أكثر مما خافت لنفسها، وأعطت بلا تردد، لأن العطاء كان اللغة الوحيدة التي سُمح لها أن تتقنها. نحن اليوم لا نلومها لأنها لم تقل كفى، لكنها كانت تعيش في زمن لا يسمع كفى. ننسى أن الخوف لا يُمحى بسهولة، بل يُورث مثل الجينات. نعاتبها لأنها لم تعلمنا الجرأة، بينما الحقيقة أنها لم تتعلمها أصلاً. كيف نطالبها بأن تعلمنا شيئاً لم يُسمح لها أن تتقنه.
حين نتأمل وجوه أمهاتنا، نكتشف أنها لم تشِخ من العمر فقط، بل من الصمت، ذلك الصمت الذي حبس الكلام، وقيد الأحلام، وخنق الاعتراف بالوجع، ورغم كل ذلك ضل الحنان فيها صامداً، وكأن الأمومة انتصرت على الخوف لكنها لم تهزمه تماماً. بقي في ملامحها شيء من القوة الصامتة التي لا تحتاج إلى شرح.
وأحياناً، حين تنظر الأم إلى ابنتها الجريئة، تشعر بفخر وخوف معاً. تفخر لأنها رأت فيها ما كانت تتمناه لنفسها، وتخاف لأنها تعرف قسوة المجتمع على المختلفين. إنها تحمل في قلبها أمنيتين متناقضتين. أن تتحرر ابنتها، وأن تبقى آمنة. وبين الحُلمين يتعب قلبها من المفارقة.
ربما حان الوقت أن نغير طريقة نظرنا إليهن، أن نتوقف عن لومهن، ونبدأ بفهمهن. أن ندرك أن الخوف ليس ضعفاً بل إرثاً ثقيلاً، وأن الشجاعة التي نطالبهن بها لم يتعلمنها يوماً، وأن نقول لهن. لم نعد نريد أماً صامته، بل إنسانة تتكلم، وتغضب، وتبكي، وتقول، أنا أيضاً أحتاج.
الخوف الذي ربانا لم يكن اختياراً، بل وسيلة للبقاء، وحين ندرك ذلك نعرف أن العتاب لا يصنع شجاعة، بل إن الفهم وحده يحرر. ويبقى السؤال معلقاً في صدورنا. هل نملك نحن الجيل الذي تربى على الخوف أن نكسره في تربية أبنائنا. أم سنورثه باسمٍ جديدٍ أكثر تهذيباً.

