بقلم /عبد المحسن الجحلان – فرسان الرياضة
هناك رجال حينما يتولون القيادة لا يحتاجون إلى وقت طويل ليصنعوا الفارق، لأنهم ببساطة يملكون الرؤية والقدرة على التغيير، ولعل رئيس اتحاد التايكوندو الذي سلم الراية للتو الأستاذ أحمد الصبان مثال واضح على ذلك. فخلال فترة لم تتجاوز ستة أشهر من رئاسته لاتحاد التايكوندو، تمكن من اختصار المسافة وإعادة رسم هوية الاتحاد برؤية طموحة، وضع من خلالها أسس العمل المؤسسي الذي انعكس على النتائج الميدانية، فحصد الاتحاد في عهده سبع ميداليات آسيوية، والثامنة جاءت وهو يودّع موقعه، لتكون خير ختام لمسيرة قصيرة في الزمن، كبيرة في الأثر.
ما فعله الصبان لم يكن صدفة، بل نتاج عمل تراكمي، وإيمان بأن النجاح لا يُبنى على الأسماء بل على المنهج والرؤية. فقد نقل العمل إلى فضاء أرحب من التنظيم والاحترافية، ووضعه في خارطة الاتحادات المتقدمة من حيث الأداء والإنجاز، وأعاد للعبة ألقها بعد أن رسم مع فريقه مسارًا يعتمد على تأهيل الكوادر، واستثمار المواهب، وتوسيع قاعدة الممارسين، إلى جانب تعزيز المشاركة النسائية التي باتت إحدى ركائز التميز في رياضات الوطن،
ومع تسليم المهام إلى المهندس عبدالله أحمد عيد الحربي، يمكن القول إن الاتحاد يعيش مرحلة جديدة من النضج الإداري والتخطيط المتوازن. فالحربي الذي يُعرف عنه الهدوء والدقة والأناقة في الفكر والأسلوب، جاء ليبني على ما تحقق، لا ليبدأ من الصفر، واضعًا نصب عينيه هدفًا واضحًا: أن يكون اتحاد التايكوندو نموذجًا في الحوكمة والتميز الرياضي.
الحربي يدرك أن المرحلة القادمة تتطلب عملاً مؤسسياً متكاملاً، يتجاوز حدود المنافسات إلى صناعة الأبطال وتأهيلهم، ولذلك جاءت خطته في تطوير البنية التنظيمية للاتحاد وتفعيل دور اللجان الفنية، وتعزيز العلاقة مع الأندية ومراكز التدريب، لتكون البيئة مهيأة لولادة جيل جديد من الأبطال يحمل راية المملكة في المحافل الدولية.
ولا يمكن الحديث عن هذه المرحلة دون الإشارة إلى المدير التنفيذي الأستاذ محمد بن سعيد كشكش، الذي يمثل نموذجاً للمسؤول العملي الهادئ، إذ يعمل بصمت لكنه يملأ المكان بالحيوية والانضباط.
كشكش أسهم في تنظيم العمل الداخلي للاتحاد وإعادة توزيع المهام بطريقة تضمن سرعة الإنجاز وجودة المخرجات، كما أولى اهتماماً خاصاً بتطوير التواصل الإعلامي والتفاعل المجتمعي، مما جعل الاتحاد أكثر قرباً من جماهير اللعبة ومحبيها.
وإلى جانب ذلك، يبرز دور الأستاذ عبدالله العسيري، رئيس اللجان الفنية والإدارية، الذي يمثل عقل الاتحاد الفني، وصاحب رؤية واسعة تسعى إلى تحديث البرامج التدريبية والتحكيمية، وبناء قاعدة بيانات شاملة للمدربين والحكام واللاعبين، بما يحقق التكامل بين عناصر اللعبة. العسيري يعد أحد ركائز التطوير في المنظومة الحالية، إذ يعمل على نقل التايكوندو من مجرد منافسة رياضية إلى منهج عمل احترافي متكامل.
إن اتحاد التايكوندو اليوم يعيش مرحلة مختلفة، فبعد أن خط الصبان ملامح التجديد ووضع الأساس المتين، جاء الحربي بفكره الهندسي ليرتقي بالاتحاد نحو مزيد من التميز، واضعاً أمامه هدفًا استراتيجياً يتمثل في أن تكون لعبة التايكوندو إحدى واجهات التفوق الرياضي السعودي في آسيا والعالم.
ومع الدعم الكبير الذي توليه وزارة الرياضة واللجنة الأولمبية السعودية، أصبح الطريق ممهداً لتحقيق نقلة نوعية في الأداء والنتائج، خصوصًا أن المملكة باتت اليوم منصة للبطولات العالمية والإقليمية، وميدانًا خصبًا لاكتشاف المواهب وصناعة الأبطال، وسيكون الحصاد في بطولة التضامن التي تستضيفها المملكة،
التحول الذي يعيشه اتحاد التايكوندو لا يقتصر على الميدان الفني فحسب، بل يشمل جوانب التمكين المؤسسي، وتفعيل المبادرات الاجتماعية، وتنمية الموارد، وهو ما يعزز استدامة العمل وفاعلية البرامج.
فالاتحاد يسعى إلى أن يكون مثالاً في العمل المنظم والشراكات النوعية والتخطيط طويل المدى، بما يواكب مستهدفات رؤية المملكة 2030 في تطوير القطاع الرياضي.
إن ما تحقق خلال الأشهر الماضية يعكس أن الاتحاد يسير بخطى ثابتة في الاتجاه الصحيح، مدعومًا بقيادة تؤمن بأن التغيير الحقيقي يبدأ من الداخل، وبفريق عمل متكامل يمتلك الطموح والكفاءة. وبين مرحلة الصبان المفعمة بالحيوية والإنجاز، ومرحلة الحربي التي تحمل الرؤية والاتزان، تبدو مستقبل التايكوندو السعودي مشرقاً، عنوانه العمل، وسلاحه الإصرار، وهدفه رفع راية الوطن في كل محفل، وفي صراع بطولة التضامن سيكون للتايكوندو كلمة بإذن الله في ظل هذا التكامل العملي.




