عبدالمحسن الجحلان – فرسان الرياضة
لم يكن خروج المنتخب السعودي من كأس العالم مجرد خسارة في مباراة، بل كان مشهدًا مؤلمًا كشف حجم الفجوة التي تفصلنا عن المنتخبات التي تعمل وفق خطط واضحة ورؤية طويلة المدى. والأكثر إيلامًا أن الأخضر تعثر أمام منتخب الرأس الأخضر، الذي يشارك للمرة الأولى في تاريخه في البطولة، لكنه ظهر بشخصية البطل، وقدم كرة حديثة، منظمة، وشجاعة، واستحق ثلاث نقاط ثمينة خلال مجريات التصفيات بأداء راقٍ أكد أن النجاح لا يرتبط بتاريخ المنتخبات، وإنما بجودة العمل.
المشكلة ليست في خسارة مباراة، فالخسارة جزء من كرة القدم، وإنما في الصورة التي ظهر بها المنتخب السعودي، وهي من أسوأ الصور التي قدمها خلال مشاركاته الست الماضية في البطولة. افتقد الفريق للهوية، وغابت الشخصية داخل الملعب، ولم نشاهد لاعبًا قادرًا على صناعة الفارق أو قيادة زملائه في أصعب اللحظات، بينما كان المنافس أكثر جرأة وثقة وتنظيمًا.
المنتخبات لم تعد تعترف بالأسماء أو بتاريخ الكرة، بل تعترف بمن يعمل أكثر ويخطط بصورة أفضل. منتخب الرأس الأخضر ليس من القوى التقليدية في كرة القدم العالمية، لكنه حضر إلى البطولة وهو يمتلك مشروعًا واضحًا ولاعبين يؤمنون بقدراتهم، فكانت النتيجة أداءً مميزًا وتأهل مستحقًا، بينما ظهر الأخضر وكأنه يبحث عن نفسه طوال دقائق المباراة.
ما يدعو إلى القلق أن هذه النتيجة ليست وليدة لحظة، بل امتداد لتراجع يحتاج إلى وقفة صادقة بعيدًا عن المجاملات. كرة القدم السعودية تعيش نهضة كبيرة على مستوى الأندية والاستثمارات والمنشآت، لكن المنتخبات الوطنية يجب أن تكون المستفيد الأول من هذه النهضة، لا أن تصبح الحلقة الأضعف فيها.
ومن المؤشرات التي تستحق التوقف عندها أن متوسط أعمار لاعبي المنتخب الأول يدور بين 29 و30 عامًا، وهو رقم يبعث على القلق إذا ما قورن بالمنتخبات الطامحة للمستقبل، التي تعتمد على عناصر شابة تمتلك الطاقة والسرعة والحافز وقابلية التطور. بناء منتخب قوي لا يكون بالاعتماد على الأسماء نفسها لسنوات طويلة، وإنما بضخ دماء جديدة بصورة مستمرة، ومنح المواهب الفرصة الحقيقية للنمو والمنافسة.
الأخضر بحاجة إلى مشروع متكامل لإعداد جيل جديد، جيل يستطيع أن يصنع الفارق، خصوصًا في منطقة وسط الملعب، التي تعد عقل الفريق ومحركه الحقيقي. فمنذ سنوات والمنتخب يفتقد لاعب الوسط القادر على التحكم بإيقاع المباراة، وصناعة اللعب، وفرض الشخصية أمام المنافسين. هذه النوعية من اللاعبين لا تظهر بالمصادفة، وإنما تُصنع عبر برامج تطوير فنية متخصصة، ومنافسات قوية، وعمل متواصل يبدأ من الفئات السنية.
كما أن الاستفادة من تجارب الدول التي نجحت في تطوير منتخباتها أصبحت ضرورة لا خيارًا. هناك اتحادات أعادت بناء منتخباتها خلال سنوات قليلة بعدما اعترفت بمواطن الخلل، وبدأت العمل من القاعدة، عبر اكتشاف المواهب، وتطوير المدربين، ورفع جودة المسابقات، وربط جميع المراحل السنية بفلسفة كروية واحدة. أما الاكتفاء بردود الفعل بعد كل إخفاق، فلن يقود إلا إلى تكرار المشهد نفسه.
وهنا يأتي الدور الأكبر على الاتحاد السعودي لكرة القدم، الذي يقود المرحلة المقبلة بكل ما فيها من تحديات. فالمطلوب ليس معالجة نتائج مباراة أو بطولة، بل مراجعة شاملة لمنظومة العمل بأكملها، تشمل مسابقات الفئات السنية، وتطوير برامج إعداد اللاعبين، وتأهيل المدربين، وتفعيل دور لجان المسابقات والانضباط والحكام، بحيث تصبح أدوات فاعلة في تطوير اللعبة، لا مجرد جهات تنفيذية تعمل بالأساليب التقليدية.
إن المرحلة الحالية تتطلب فكرًا جديدًا يواكب التطور الذي تشهده كرة القدم عالميًا، ويبتعد عن النمطية التي لم تعد تحقق الطموحات. فالمنافسة اليوم لا تُحسم داخل المستطيل الأخضر فقط، بل تبدأ من التخطيط والإدارة والحوكمة وصناعة اللاعب منذ سنواته الأولى.
الخروج من البطولة قد يكون مؤلمًا، لكنه قد يتحول إلى نقطة انطلاق إذا تمت قراءة أسبابه بصدق، بعيدًا عن التبريرات. أما إذا اكتفينا بإلقاء اللوم على مباراة أو مدرب أو لاعب أو إداري ، فسنجد أنفسنا نكرر الحديث ذاته في كل بطولة جديدة.
فالمنتخب السعودي يستحق أكثر، وجماهيره تستحق منتخبًا ينافس، لا منتخبًا يكتفي بالحضور. والطريق إلى ذلك يبدأ بالاعتراف بأن ما حدث ليس مجرد خروج مرير، بل رسالة واضحة تؤكد أن الوقت قد حان لإعادة بناء المشروع الكروي من جذوره، حتى يعود الأخضر إلى مكانته التي تليق بتاريخ الكرة السعودية وطموحاتها.

