عائشه العتيبي – فرسان الرياضة
لم تكن كرة القدم السعودية في سبعينيات القرن الماضي تملك كل ما نراه اليوم من أضواء وشهرة واحتراف، لكنها كانت تملك شيئًا آخر… الموهبة.
وفي ملاعب تلك الحقبة، كان اللاعب يصنع اسمه بقدميه، ويكتب تاريخه بأهدافه، ويترك للجماهير مهمة حفظ حكايته.
ومن بين أولئك الذين تركوا بصمتهم في تلك الذاكرة، يبرز اسم سعود جاسم ، المهاجم الذي خرج من المنطقة الشرقية، و تألق مع القادسية، وارتدى قميص المنتخب السعودي، ثم خاض تجربة جديدة مع الاتحاد، ليصبح واحدًا من الأسماء التي ارتبطت بمرحلة تأسيسية مهمة في تاريخ الكرة السعودية.
كانت حكايته أكثر من مجرد مسيرة لاعب
كانت حكاية جيل كامل، عاش البدايات، وحمل طموح الكرة السعودية، وركض خلف الحلم قبل أن تتحول اللعبة إلى صناعة كبرى.
البداية من القادسية
في القادسية، وجد سعود جاسم البيئة التي احتضنت موهبته، وهناك بدأ اسمه يلمع بين نجوم المنطقة الشرقية.
كان مهاجمًا يعرف طريق المرمى، يمتلك حسًا تهديفيًا، ويملك من الشخصية ما يجعله حاضرًا في المباريات التي تحتاج إلى لاعب يعرف كيف يصنع الفارق.
ولم يتوقف طموحه عند حدود النادي، فسرعان ما طرق باب المنتخبات الوطنية، لتبدأ مرحلة جديدة من حياته الكروية.
عام 1974، كان حاضرًا مع منتخب الشباب السعودي في بطولة دولية بإيران، تحت قيادة المدرب المصري الراحل عادل جزار، ثم جاءت محطة أخرى مهمة في العام التالي، عندما شارك مع المنتخب في كأس فلسطين تحت قيادة المدرب المجري فيرينتس بوشكاش.
كانت تلك التجارب بمثابة مدرسة كروية حقيقية لمهاجم شاب يتعلم من مدربين أصحاب خبرة، ويحتك بمستويات مختلفة، ويقترب خطوة بعد أخرى من ارتداء قميص المنتخب الأول.
من لاعب واعد إلى «لؤلؤة الخليج»
مع المنتخب السعودي الأول، بدأ سعود جاسم يثبت نفسه، حتى أصبح اسمه مرتبطًا بلقب «لؤلؤة الخليج».
وكانت دورة كأس الخليج الخامسة في بغداد عام 1979 واحدة من أبرز محطاته الدولية، إذ نجح في تسجيل ثلاثة أهداف خلال البطولة، ليؤكد أنه لم يكن مجرد مهاجم ينتظر الفرصة، بل لاعب يمتلك القدرة على الحضور في البطولات والمناسبات الكبرى.
في تلك السنوات، كانت الكرة السعودية تبحث عن مكان لها بين كبار القارة، وكان سعود جاسم أحد أبناء ذلك الجيل الذي حمل راية الأخضر في مرحلة التأسيس والبناء.
من الشرقية إلى جدة
في عام 1979، اتخذ سعود جاسم قرارًا غيّر مسار تجربته الكروية، عندما انتقل من القادسية إلى نادي الاتحاد.
كانت الصفقة حديث الوسط الرياضي في ذلك الوقت، وارتبطت بدعم رئيس الاتحاد آنذاك الأمير طلال بن منصور بن عبدالعزيز، فيما أشارت تقارير صحفية إلى أن قيمة الانتقال بلغت مليون ريال، وهو رقم كبير بمقاييس تلك المرحلة.
غادر سعود جاسم المنطقة الشرقية، لكنه حمل معه ذكريات القادسية وجماهيرها، واتجه إلى جدة ليدخل تجربة جديدة بقميص أحد أكبر أندية المملكة.
هناك، وجد نفسه أمام تحديات مختلفة، ومباريات ذات طابع جماهيري خاص، ومنافسات لا تعرف أنصاف الحلول.
كانت مواجهة الهلال تحمل اسم «الكلاسيكو»، ومباريات الأهلي تأخذ طابع «ديربي جدة»، وفي كل مواجهة كان اللاعب القادم من الشرقية يبحث عن فرصة جديدة ليترك بصمته.
وهكذا، لم تكن رحلة سعود جاسم مجرد انتقال من نادٍ إلى آخر، بل كانت انتقالًا بين مرحلتين في مسيرته، ومحطة جديدة في رحلة مهاجم عرفته الجماهير السعودية قبل أن تتغير ملامح اللعبة وتتسع دائرة الاحتراف.
القادسية.. حكاية جيل من ذهب
حين نتحدث عن سعود جاسم، لا يمكن فصل حكايته عن القادسية، ولا عن المرحلة التي شهدت صعود النادي ليصبح أحد الأسماء المهمة في كرة القدم السعودية.
كانت المنطقة الشرقية في تلك الفترة مصنعًا للمواهب، وكانت أندية المنطقة تقدم أسماء صنعت لاحقًا تاريخًا طويلًا في الملاعب.
وفي تلك البيئة، كان سعود جاسم أحد الوجوه البارزة، إلى جانب أسماء أخرى أسهمت في ترسيخ حضور القادسية على الساحة الرياضية.
ورغم أن الإنجازات الكبرى للنادي جاءت في أجيال لاحقة، فإن تلك المرحلة أسهمت في بناء القاعدة التي مهدت الطريق أمام القادسية لتحقيق إنجازات بارزة، من بينها كأس ولي العهد عام 1992، ثم كأس الكؤوس الآسيوية عام 1994.
كان جيل سعود جاسم يضع اللبنات الأولى، فيما جاءت الأجيال التالية لتبني فوقها صرحًا من الإنجازات.
عام 1989، كانت إسكتلندا مسرحًا لحدث تاريخ
منتخب سعودي للناشئين يواجه العالم، وجيل شاب يحمل أحلام وطن بأكمله.
وفي النهاية، عاد الأخضر من هناك حاملًا كأس العالم للناشئين، في إنجاز تاريخي لا يزال حاضرًا في ذاكرة الرياضة السعودية.
سعود جاسم.. مهاجم حمل قميص القادسية والمنتخب السعودي، وخاض تجربة مع الاتحاد، وعاش زمنًا كانت فيه الكرة السعودية تخطو خطواتها الأولى نحو صناعة تاريخها.
النهاية التي لا تشبه الغياب
رحل سعود جاسم في 2018 م، لكن رحيل اللاعب لا يعني نهاية حكايته.
فبعض اللاعبين يغادرون الملاعب، لكنهم لا يغادرون الذاكرة.
يبقى اسمهم في أحاديث الجماهير، وفي أرشيف الصحافة، وفي ذاكرة من شاهدوا أهدافهم، وفي حكايات جيل كامل عاش معهم أجمل سنوات كرة القدم.
وهكذا بقي سعود جاسم واحدًا من أبناء الزمن الذي كانت فيه الكرة السعودية تبحث عن هويتها، قبل أن تصل إلى ما هي عليه اليوم.
من القادسية بدأت الحكاية…
ومع الأخضر اتسعت…
وفي الاتحاد دخل فصلًا جديدًا…
أما في ذاكرة الكرة السعودية، فقد بقيت الحكاية مفتوحة.
سعود جاسم… «لؤلؤة الخليج» التي لم تكن مجرد مهاجم، بل شاهدًا على زمن كانت فيه كرة القدم السعودية تكتب أولى صفحات مجدها.

