بقلم / عبد المحسن الجحلان – فرسان الرياضة
طبيعي من جاء بجلباب الهلال أن تكون له مكانه في منصات التتويج التي باتت صنوان لا يفترقان مع الزعماء، وعندما حضر الأهلي بهذه الصورة لابد وأن يكون كهيئة هذا الزعيم،
الأهلي،بديل الهلال أثبت أنه بطل، لم يكن أحد يتوقع أن يعود بهذه الصورة المدهشة إلى منصات التتويج، ويكتب اسمه بمدادٍ من ذهب في بطولة السوبر السعودي على حساب النصر، الفريق الذي أُعِدَّت له كل الأجواء ليكون بطل هذه النسخة تحديدًا، فالأحاديث المسبقة، والتلميحات غير المباشرة، وحتى التغطيات الإعلامية، كانت تسير في اتجاه واحد، النصر هو المستحق، بل هو المفضّل، غير أن كرة القدم لا تعترف بالتهيئة المسبقة ولا بالرهانات الإعلامية، بل تعترف بمن يفرض نفسه على أرض الملعب، وهذا ما فعله الأهلي،
لقد بدا السوبر وكأنه مسرح صُمم للنصر، استقطابات هائلة، دعم جماهيري وإعلامي غير مسبوق، ورواية جاهزة تقول إن تتويج النصر سيكون “مصلحة كروية” عامة للسعودية ليكون واجهة للبطولات الخارجية، ومع كل هذا الزخم، دخل الأهلي بهدوء الضيف غير المرغوب، لكنه خرج وهو صاحب الصوت الأعلى، بعدما خطف الكعكة من على الطاولة الصينية، تاركًا خصمه والجماهير النصراوية في ذهول،
الأهلي لم يواجه النصر فحسب، بل واجه ظروفًا أكبر. كل المؤشرات كانت ضده، بل وحتى اختيار الحكم الهويش بدا وكأنه رسالة ضغط إضافية، ورغم ذلك، كان الفريق الأخضر حاضرًا ذهنيًا وفنيًا، وأثبت أن العودة الحقيقية لا تُبنى بالصدفة، وإنما بالعمل المتراكم وبالإصرار على إعادة المجد مهما كانت العقبات. لعب الأهلي برجولة، وواجه الضغط بكل هدوء، حتى بدا وكأنه الفريق الأكثر تماسكًا رغم أنه كان الطرف الأقل ترشيحًا قبل اللقاء،
في السنوات الماضية، كان الهلال هو الوجه الأكثر بروزًا في البطولات السعودية والخارجية، وصار رمزًا للثبات على القمة، لكن مع تنوع المنافسة، كان لا بد أن يظهر بديل يملأ الفراغ، لا بصفته مجرد مشارك، بل بصفته بطلًا قادرًا على رفع الراية وتمثيل الكرة السعودية بنفس البريق، وهنا جاء الأهلي، الذي لم يكتفِ بدور “البديل”، بل فرض نفسه كخيار وطني قوي، قادر على إعادة رسم معادلة البطولات،
أما النصر، فيظل لغزًا محيرًا، يملك الأسماء الأبرز على مستوى العالم، يمتلك الدعم المالي والإعلامي الهائل، ويحظى بزخم جماهيري واسع، ومع ذلك يتعثر في اللحظة الحاسمة، هذه الخيبات المتكررة تجعل الجماهير النصراوية تتساءل، لماذا يخذلهم الفريق في المنعطف الأهم؟ وما الذي ينقص فريقًا يضم كوكبة من النجوم بقيادة رونالدو والبقية؟ الواقع أن النصر، مهما كانت قوته الفردية، لا يزال يفتقد ذلك “العصب الجماعي” الذي يحسم المباريات الكبرى،
فوز الأهلي بالسوبر لم يكن مجرد لقب، بل كان إعلانًا رسميًا عن عودة فريق كبير إلى المشهد. الأهلي بتاريخ بطولاته وجماهيريته، لا يمكن أن يبقى غائبًا طويلًا، وعندما يعود، فإنه يعود بالطريقة التي تليق باسمه، ببطولة، وأمام خصم كبير، وفي ظروف صعبة. هذا الفوز سيعطي الأهلي دفعة معنوية هائلة، وسينعكس على مسيرته في الدوري والبطولات الأخرى، وربما يفتح الباب لحقبة جديدة عنوانها: الأهلي منافس دائم، لا مجرد رقم عابر،
وبعيدًا عن الانتماءات، فإن كرة القدم السعودية هي الرابح الأكبر من عودة الأهلي. المنافسة القوية بين الهلال والنصر والأهلي والاتحاد تعني بطولات أكثر إثارة، وجماهيرية أوسع، وتمثيل خارجي أقوى، وإذا كان الهلال قد حمل الراية لسنوات، فإن الأهلي اليوم يؤكد أنه قادر على حملها أيضًا، ليبقى المشهد متوازنًا، ولتبقى الكرة السعودية في أبهى صورة.
في النهاية، قد يكون السوبر السعودي نسخة مصغرة من دروس كرة القدم نفسها، ليس المهم من يُهيَّأ له المسرح، بل من يعتلي الخشبة في اللحظة المناسبة، النصر جهز الاحتفالية، لكن الأهلي خطفها، والرسالة الأوضح من جدة إلى الرياض تقول، الأهلي، بديل الهلال، أثبت أنه بطل حقيقي.


تحليل ممتاز يا ابو عبد الرحمن