عبدالمحسن الجحلان – فرسان الرياضة
تصوير – محمد الفرج
لم يكن انتصار الهلال على القادسية بثلاثة أهداف مقابل هدفين مجرد فوز جديد يضاف إلى رصيده، بل كان إعلاناً صريحاً بأن الأزرق يعرف كيف يعبر أصعب المنعطفات ويجيد الوصول إلى القمة عندما تكون المواجهة بحجم الصدارة. ففي مباراة جمعت المتصدر بوصيفه وعلى أرض منافس قوي لم يدخل الموسم بحثاً عن حضور عابر أظهر الهلال شخصية البطل وانتزع النقاط الثلاث، وأسقط القادسية من الصدارة ليتربع مكانه على قمة دوري روشن.
دخل الهلال اللقاء وهو يدرك أن المهمة لا تحتمل أنصاف الحلول. فالقادسية كان يتصدر برصيد (25) نقطة متقدماً بفارق نقطة واحدة ومدعوماً ببداية قوية جعلته واحداً من أبرز فرق الموسم وأكثرها توازناً كما أن الهلال لم ينجح في الفوز عليه خلال الموسم الماضي بعدما انتهت مواجهتا الذهاب والإياب بالتعادل 2-2، وهو ما منح القمة بعداً إضافياً وجعل الانتصار مطلباً فنياً ومعنوياً إلى جانب أهميته الكبيرة في سباق الترتيب.
القادسية أثبت مجدداً أنه فريق متمكن يملك أدوات هجومية مؤثرة وقدرة واضحة على استغلال المساحات والكرات العرضية. وجود أسماء مثل جوليان كينيونيس وماتيو ريتيغي يمنحه خطورة مستمرة أمام المرمى ولذلك لم تكن المباراة سهلة على الهلال في أي لحظة، لكن الفارق ظهر في قدرة الأزرق على تحمل الضغط والعودة إلى فرض إيقاعه كلما حاول أصحاب الأرض الإمساك بالمواجهة.
افتتح غابرييل مارتينيلي التسجيل للهلال في الدقيقة 21، مؤكداً قيمته المتصاعدة في المنظومة الزرقاء قبل أن يعيد كينيونيس القادسية إلى المباراة بهدف التعادل عند الدقيقة (31). وانتهى الشوط الأول متوازنا معدفي النتيجة والأداء، وسط صراع قوي في وسط الملعب ومحاولات متبادلة ليبقى الحسم مؤجلاً إلى الشوط الثاني حيث ظهرت مع نادي لهلال وقدرته على إدارة المباريات الكبيرة.
لم يتسرع الهلال بعد التعادل ولم يفقد هدوءه أمام قوة القادسية وحماسة جماهيره، حافظ على توازنه ورفع من جودة ضغطه وتحركاته في الثلث الهجومي حتى جاءت اللحظة التي قلبت مسار القمة. ففي الدقيقة (77) أطلق روبن نيفيز تسديدة أعادت التقدم للأزرق، ثم أضاف سيرغي سافيتش الهدف الثالث في الدقيقة (84)، ليترجم تفوق الهلال في أهم فترات المباراة ويضعه قريبًا من انتصار ثمين.
وتدعم أرقام اللقاء هذا التفوق، فقد سدد الهلال (18 )مرة منها (9) على المرمى، مقابل (11) محاولة للقادسية، منها (5 )بين القائمين. وهي أرقام توضح أن الأزرق لم يكتفِ بإدارة النتيجة بل بحث عن الفوز بجرأة وصنع فرصًا أكثر في مواجهة متكافئة بالاستحواذ،
ورغم أن ريتيغي قلص الفارق للقادسية في الدقيقة 87 وأشعل الدقائق الأخيرة، فإن الهلال تعامل مع الاندفاع القدساوي بصلابة ووعي. وقف ياسين بونو بثبات وحافظ الفريق على تماسك خطوطه حتى صافرة النهاية. وهنا تتجلى قيمة الفرق الكبيرة؛ فالبطولات لا تُحسم فقط بالعروض السهلة والانتصارات الواسعة، بل بالقدرة على الصمود عندما يشتد الضغط، والمحافظة على الأفضلية أمام منافس يرفض الاستسلام،
هذا الانتصار رفع رصيد الهلال إلى (27) نقطة، ومنحه الصدارة بعد عشر مباريات، مع بقاء مباراة مؤجلة في رصيده لكنه حمل معنى أكبر من الأرقام، فقد تغلب الأزرق على فريق كان يمثل له عقدة في الموسم الماضي وهزم منافساً مباشراً داخل ملعبه وأثبت أن خسارة نقطة أو تعثراً عابراً لا يغيران هويته ولا قدرته على استعادة الطريق سريعاً
كما كشفت المواجهة عن تنوع الحلول الهلالية، فالأهداف جاءت بأقدام مارتينيلي ونيفيز وسافيتش ومن خطوط مختلفة في صورة تعكس أن خطورة الفريق لا ترتبط بلاعب واحد. وحين يمتلك الهلال هذه الوفرة في صناعة الفارق يصبح من الصعب على أي منافس إيقافه طوال تسعين دقيقة حتى لو نجح في تعطيله لفترات أو أجبره على خوض مباراة مفتوحة ومليئة بالتحديات.
الهلال في هذه القمة لم يقدم رسالة محلية فقط، بل أكد أن خبرة مبارياته الكبرى ما زالت إحدى أهم نقاط تفوقه. الفريق يعرف متى يهدئ الإيقاع ومتى يضغط وكيف يحول لحظة واحدة إلى هدف يغير المشهد. وهذه التفاصيل هي التي تفصل بين فريق ينافس على الصدارة وفريق يعرف طريق البطولات ويحسن التعامل مع أثقل الضغوط.
أما القادسية فرغم الخسارة، فقد أكد أنه سيكون طرفاً صعباً في المنافسة، فريقه قوي وهجومه قادر على تهديد أي دفاع وعودته مرتين إلى أجواء اللقاء تكشف عن شخصيته إلا أن الهلال كان أكثر حسماً ونضجاً في اللحظات الفاصلة، واستفاد من جودة نجومه وخبرتهم ليخرج من الدمام بانتصار يساوي أكثر من ثلاث نقاط.
بهذه النتيجة، يواصل الهلال زحفه بثبات ويتجاوز أقوى اختبار له حتى الآن ويعتلي القمة من بوابة منافس حقيقي والطريق ما زال طويلاً والمنافسة ستكون شديدة لكن الأزرق وضع قدمه في الصدارة بالطريقة التي تليق بفريق بطل انتصار خارج الأرض أمام المتصدر وفي مباراة كشفت ملامح الكبار. لقد أطاح الهلال بقمة القادسية وبدأ يرسم طريقه نحو قمة أكبر وقمة الدوري ولقبه.

