د/سعد السبيعي
لم تعد الإدارة الرياضية في عصر الاحتراف مجرد إدارة للمباريات واللاعبين وتحقيق البطولات، بل أصبحت مسؤولية مالية واستثمارية تتطلب التخطيط الدقيق، وحسن استغلال الموارد، والقدرة على الموازنة بين الطموح الرياضي والاستدامة المالية. ومع تطور صناعة الرياضة وارتفاع قيمة العقود والصفقات، أصبح الهدر المالي أحد التحديات التي قد تواجه الأندية، وتؤثر في استقرارها وقدرتها على تحقيق أهدافها. فأين تكمن المشكلة؟ وهل ترتبط بكثرة الإنفاق، أم بغياب التخطيط والرقابة والمحاسبة؟
ومن أبرز مظاهر الهدر المالي في الأندية
أولاً: التعاقدات غير المدروسة. عندما يتعاقد النادي مع لاعب أو مدرب بمبالغ كبيرة دون دراسة فنية دقيقة لاحتياجات الفريق، أو دون تقييم حقيقي للعائد المتوقع من الصفقة، فإن الأموال قد تتحول إلى التزامات مالية لا تحقق الفائدة المرجوة.
ثانياً: تكرار تغيير الأجهزة الفنية والإدارية. إن إقالة المدربين والتعاقد مع بدلاء بصورة متكررة قد تترتب عليها تكاليف إضافية، تشمل التعويضات المالية والعقود الجديدة، فضلاً عن الآثار الفنية الناتجة عن غياب الاستقرار.
ثالثاً: ضعف الاستفادة من الموارد البشرية. إنفاق مبالغ كبيرة على لاعبين محترفين، مع إهمال المواهب الشابة أو عدم الاستفادة من لاعبي الفئات السنية، قد يؤدي إلى زيادة المصروفات دون ضرورة، ويحد من فرص بناء فريق مستدام.
رابعاً: المصروفات التشغيلية غير الضرورية. قد يظهر الهدر في العقود الخدمية، والمشتريات، والسفر والإقامة، وتعدد الإجراءات الإدارية، عندما تغيب المقارنة بين الأسعار ومراقبة جودة الخدمات ومدى الحاجة إليها.
خامساً: ضعف استثمار أصول النادي وحقوقه التجارية. فالنادي الذي لا يستثمر منشآته وحقوقه التسويقية وراعياته ومصادر دخله المتاحة، قد يظل معتمداً على التمويل الخارجي، حتى مع امتلاكه فرصاً حقيقية لزيادة إيراداته.
من المسؤول عن معالجة الهدر المالي؟
معالجة الهدر لا تقع على عاتق شخص واحد، بل تتطلب وضوحاً في توزيع المسؤوليات. فمجلس الإدارة مسؤول عن التوجه الاستراتيجي واعتماد الميزانيات ومراقبة الأداء، والإدارة التنفيذية مسؤولة عن تنفيذ الخطط وضبط المصروفات، بينما تتولى الإدارة المالية إعداد التقارير ومتابعة الالتزامات والتدفقات النقدية. أما الإدارة الرياضية، فعليها تقديم الاحتياجات الفنية وفق دراسات واضحة، بالتنسيق مع الإدارة المالية، حتى لا تنفصل القرارات الرياضية عن القدرة المالية للنادي. وتبرز هنا أهمية الرقابة الداخلية والمراجعة المستقلة، إلى جانب تطبيق الصلاحيات المعتمدة، والإفصاح عن المصروفات، ومحاسبة المسؤولين وفق الأنظمة والإجراءات المعمول بها. فالمسؤولية لا تعني توجيه الاتهامات، بل تحديد مواضع الخلل بناءً على البيانات والأدلة.
كيف نعالج الهدر المالي؟
إن الحد من الهدر المالي يحتاج إلى إجراءات عملية تتجاوز الدعوات العامة إلى ترشيد الإنفاق، ومن أهمها:
1. ربط الإنفاق بالخطة الرياضية. ينبغي أن يكون لكل تعاقد أو مشروع هدف واضح ومبرر فني ومالي، وأن يخضع لتقييم يحدد مدى الحاجة إليه والعائد المتوقع منه.
2. إعداد ميزانية واقعية. سنوية تتناسب مع الإيرادات المتوقعة، مع تحديد سقوف للمصروفات ومراجعتها بصورة دورية، وعدم بناء الالتزامات على إيرادات غير مؤكدة.
3. تطوير منظومة التعاقدات. من خلال مقارنة العروض، وتقييم القيمة الفنية والمالية، ودراسة مدة العقود وشروط فسخها وتجديدها، وتجنب القرارات المتسرعة التي ترفع التكلفة على النادي.
4. تعزيز الرقابة والمحاسبة. عبر تقارير مالية دورية، ومراجعة العقود والمشتريات، وقياس الفارق بين الميزانية المعتمدة والإنفاق الفعلي، وتحديد المسؤوليات عند وجود تجاوزات غير مبررة.
5. الاستثمار في الفئات السنية. والمواهب وتطويرها يساعد النادي على تقليل بعض تكاليف التعاقدات مستقبلاً، وتوفير قاعدة فنية مستدامة.
6. تنويع مصادر الدخل. من خلال الرعاية والتسويق وتطوير المنتجات والفعاليات واستثمار المنشآت والحقوق التجارية، وفق فرص النادي وقدراته، بدلاً من الاعتماد على مصدر تمويل واحد.
7. تقييم الإدارات بالنتائج. لا ينبغي أن يكون معيار النجاح عدد الصفقات أو حجم الإنفاق، بل مدى تحقيق الأهداف الرياضية والمالية، وجودة القرارات، وكفاءة استخدام الموارد.
الخلاصة: المال وسيلة للنجاح وليس هدفاً بحد ذاته
إن مستقبل الأندية الرياضية لا يُقاس بحجم ميزانياتها أو قيمة تعاقداتها وحدها، وإنما بقدرتها على تحويل مواردها إلى نتائج رياضية واستثمارية مستدامة. فالبطولات قد تحقق حضوراً جماهيرياً واسعاً، لكن المحافظة على استقرار النادي تتطلب إدارة مالية واعية، وقرارات مدروسة، ورقابة فعالة، ومحاسبة واضحة.
