بقلم – منير ابوبشيت
في عالم كرة القدم النجاح ليس حكراً على اللاعبين والمدربين فقط ، بل هناك رجل يعمل بعيدًا عن الأضواء، ويتحمل مسؤوليات كبيرة قد يكون لها تأثير مباشر في استقرار الفريق ونتائجه؛ إنه إداري الفريق، حلقة الوصل بين الإدارة والجهاز الفني واللاعبين، وأحد العناصر التي لا يمكن الاستهانة بدورها في صناعة النجاح.
فهنا تختلف مهام إداري الفريق باختلاف حجم النادي وطبيعة المنافسات، لكنها تتفق في هدف أساسي، يتمثل في تهيئة البيئة المناسبة للفريق، وتنظيم شؤونه اليومية، ومتابعة احتياجات اللاعبين، والتنسيق مع الجهاز الفني والإدارة، إلى جانب التعامل مع الظروف التي قد تواجه الفريق قبل المباريات وأثناءها وبعدها.
مادعاني كتابة هذا الموضوع مانشاهده في بعض المباريات والشحن الموجود بين اللاعبين والمدربين وايضاً يصل الى الجمهور مما يجعل هناك فجوة كبيرة إذا لم يكن هناك اداري قوي يستطيع أن يمسك بزمام الأمور قبل ان تتسع تلك الفجوة .
ولا يقتصر دور الإداري على الجوانب التنظيمية، بل يمتد إلى الجانب النفسي والمعنوي، من خلال احتواء اللاعبين، وتعزيز روح المجموعة، والمساهمة في حل الخلافات، والمحافظة على الانضباط والالتزام داخل الفريق.
فالإداري الناجح هو الذي يعرف متى يتدخل، وكيف يتعامل مع المواقف المختلفة، ومتى يترك المساحة للمدرب واللاعبين لأداء أدوارهم دون تدخل غير مبرر.
ومن الظواهر التي تستحق النقاش في بعض الفرق، أن تتجاوز شخصية اللاعب أو نجوميته حدود دوره داخل الملعب، لتصبح له كلمة مؤثرة في القرارات الإدارية أو الفنية، وربما يتحول إلى طرف يفرض توجهاته على المدرب أو زملائه أو حتى إدارة النادي.
وهنا يبرز السؤال: كيف يمكن معالجة هذه المعضلة دون التأثير في استقرار الفريق؟
فالحل يبدأ من وضوح الصلاحيات، وتحديد المسؤوليات، واحترام التسلسل الإداري والفني.
ولا ينبغي للإداري أن يدخل في صراع مع اللاعب خاص صاحب الخبرة لإثبات قوته أو فرض شخصيته، بل عليه أن يتعامل بحكمة وعدالة، وأن يفرق بين الاستفادة من خبرة اللاعب وبين السماح له بتجاوز حدود مسؤولياته.والأهم أن تكون إدارة النادي واضحة في دعمها للنظام، فلا تمنح لاعبًا امتيازات استثنائية تهدم مبدأ المساواة والانضباط داخل الفريق.
فالخلل ليس في قوة شخصية اللاعب، وإنما في غياب الحدود الواضحة بين الأدوار والمسؤوليات.
والسؤال بالسؤال يذكر كيف يتم اختيار إداري الفريق؟ وهل الأفضل أن يكون لاعبًا سابقًا؟
اختيار إداري الفريق مسؤولية مهمة، لا ينبغي أن تخضع للمجاملات أو العلاقات الشخصية، بل يجب أن تقوم على الكفاءة والخبرة والقدرة على التعامل مع طبيعة العمل الرياضي.
فاللاعب السابق يمتلك معرفة بطبيعة غرفة الملابس، ويدرك الضغوط التي يتعرض لها اللاعبون، ويفهم تفاصيل الحياة اليومية للفريق، وقد تساعده خبرته في كسب ثقة اللاعبين والتواصل معهم.
لكن التجربة السابقة في الملاعب لا تعني بالضرورة النجاح في العمل الإداري؛ فالإدارة تحتاج إلى مهارات في التنظيم والتواصل وحل المشكلات واتخاذ القرار، وهي مهارات لا يكتسبها الجميع لمجرد ممارسة كرة القدم.
وفي المقابل، قد ينجح إداري لم يمارس اللعبة سابقًا إذا امتلك التأهيل والخبرة والمعرفة باللوائح والأنظمة الرياضية، إلى جانب الشخصية المناسبة لهذا العمل.
لذلك، فإن المعيار الأهم ليس ما إذا كان الإداري لاعبًا سابقًا، بل مدى امتلاكه الكفاءة التي تؤهله للقيام بمهامه. وإذا اجتمعت الخبرة الميدانية مع التأهيل الإداري، فإن ذلك يمنحه ميزة إضافية.
فالمسؤولية لدى الإداري تبدأ قبل المباراة، من خلال متابعة جاهزية الفريق من الناحية التنظيمية، والتأكد من اكتمال الترتيبات المتعلقة بالمشاركة والتنقل والإقامة والمواعيد واللوائح، بالتنسيق مع الجهات المعنية داخل النادي.
وأثناء المباراة، يتولى المهام التنظيمية والإجرائية المحددة له، ويتابع احتياجات الفريق وفق الأنظمة، مع ترك القرارات الفنية للمدرب، والالتزام بالتعليمات واللوائح المعتمدة.
أما بعد المباراة، فتتواصل مسؤولياته في متابعة الملاحظات، والتنسيق بشأن احتياجات اللاعبين، والمساهمة في معالجة المشكلات التي قد تؤثر في استعداد الفريق للمواجهات المقبلة.
والأهم من ذلك كله دوره في العلاقة بين المدرب واللاعبين؛ إذ يستطيع الإداري الناجح أن ينقل الملاحظات بطريقة مهنية، ويحتوي الخلافات قبل تفاقمها، ويساعد على توفير أجواء من الثقة والاحترام المتبادل.
لكن عليه أن يدرك أن دوره ليس الحلول محل المدرب أو التدخل في اختياراته الفنية، وإنما تهيئة الظروف التي تساعد الجهاز الفني على أداء مهمته بأفضل صورة.
الإداري الناجح لا يُقاس بقربه من النجوم، ولا بعدد السنوات التي قضاها في النادي، ولا بمدى ظهوره الإعلامي، بل بما يقدمه من عمل ملموس ينعكس على استقرار الفريق وانضباطه.
ونعود للصفات التي يجب ان تتميز بالاداري الناجح وهي كثيرة ومنها قوة الشخصية والحكمة ،العدل والمساواة، السرية وحفظ الأسرار، وحسن التواصل بأن يجيد التعامل مع الجميع فنياً وإعلاميا، القدرة على حل المشكلات .
المعرفة بالأنظمة واللوائح: حتى يؤدي مسؤولياته وفق القواعد المعتمدة ويتجنب الأخطاء الإجرائية. الوعي النفسي والرياضي، العمل بروح الفريق.
كما أن الإداري الناجح يعرف متى يكون حازمًا، ومتى يكون قريبًا من اللاعبين، ومتى يستمع، ومتى يتخذ موقفًا واضحًا. فالإدارة ليست أوامر فقط، وليست تساهلًا دائمًا، وإنما توازن بين الانضباط والاحتواء.
وعموماً يُقال إن الفريق الذي يريد النجاح عليه أن يبدأ باختيار إداري ناجح، وهي مقولة تحمل جانبًا كبيرًا من الأهمية، إذا فهمناها في إطار العمل الجماعي.
فالإداري الجيد لا يسجل الأهداف، ولا يضع الخطط التكتيكية، ولا يستطيع وحده تحقيق البطولات، لكنه يساهم في توفير البيئة التي تساعد اللاعبين والمدرب على النجاح.
وقد يمتلك الفريق أسماء مميزة من اللاعبين، ومدربًا صاحب خبرة، وإمكانات مالية كبيرة، لكنه يعاني من مشكلات داخلية، أو ضعف في التنظيم،أو غياب الانضباط، أو سوء في التواصل بين أفراده. وفي مثل هذه الحالات، قد تصبح الإمكانات المتوافرة أقل تأثيرًا مما هو متوقع.
وفي المقابل، يسهم الإداري المتمكن في تقليل المشكلات، وتوحيد الجهود، والمحافظة على استقرار الفريق، وتوجيه الاختلافات نحو الحلول بدلًا من السماح لها بالتأثير في الأداء.
ومع ذلك، لا يمكن تحميل الإداري وحده مسؤولية النجاح أو الإخفاق؛ فالنتائج ثمرة تكامل أدوار الإدارة التنفيذية والجهاز الفني واللاعبين والأجهزة المساندة
إداري الفريق ليس مجرد اسم في قائمة الجهاز الإداري، ولا شخصًا يؤدي مهام روتينية على هامش المباريات، بل هو عنصر مهم في منظومة كرة القدم
فالفريق الناجح لا يحتاج إلى إداري يزاحم المدرب في اختصاصاته، أو ينافس اللاعب في نجوميته، وإنما يحتاج إلى إداري يعرف دوره، ويحفظ مكانة الآخرين، ويضبط العلاقة بين الجميع، ويعمل بصمت من أجل مصلحة الفريق.

