د/سعد السبيعي
الجميع يتحدث عن الاحتراف، وعن الانضباط، وعن أهمية تحقيق الإنجازات، لكن هناك سؤالًا أكثر عمقًا يستحق أن يُطرح: هل أصبح الالتزام بأخلاقيات المهنة جزءًا حقيقيًا من العمل الرياضي، أم ما زالت الأخلاق مجرد مبادئ نتحدث عنها عندما نريد أن ننتقد الآخرين؟
فأخلاقيات المهنة في الرياضة هي مجموعة القيم والمبادئ التي تضبط سلوك العاملين في المجال الرياضي، وتحدد الطريقة المهنية التي ينبغي أن يتم بها التعامل مع الآخرين واتخاذ القرارات وإدارة المنافسات. وتأتي في مقدمة هذه القيم النزاهة، والعدالة، والشفافية، واحترام الأنظمة، وتكافؤ الفرص، وتحمل المسؤولية، واحترام المنافس، والمحافظة على كرامة الإنسان. فالمهنية الحقيقية لا تظهر فقط عندما تسير الأمور بشكل جيد، وإنما تظهر بصورة أكبر عندما تكون هناك ضغوط أو خلافات أو إخفاقات.
الأخلاق تبدأ من الإدارة
قد يكون من السهل مطالبة اللاعبين والمدربين وباقي الفنيين والاداريين بالانضباط، لكن السؤال الأهم: هل البيئة التي يعملون فيها تساعدهم على الالتزام؟ فالإدارة التي تطبق الأنظمة بعدالة، وتحدد الصلاحيات بوضوح، وتحترم التخصص، وتتعامل مع الأخطاء بمهنية، تستطيع أن تبني ثقافة مؤسسية أكثر استقرارًا. أما عندما تتداخل الصلاحيات، أو تصبح القرارات مرتبطة بالأشخاص بدل الأنظمة، أو تتعدد مراكز اتخاذ القرار، فقد تظهر مشكلات تؤثر في الأداء والعلاقات داخل النادي. ولهذا فإن أخلاقيات المهنة تبدأ من القمة، ثم تنتقل إلى بقية المستويات.
أين تكمن المشكلة؟
المشكلة ليست دائمًا في غياب الأنظمة، فكثير من المؤسسات الرياضية لديها لوائح وإجراءات، وإنما قد تكون المشكلة في كيفية تطبيق هذه الأنظمة. وهنا تظهر مجموعة من الأسئلة المهمة:
هل تطبق اللوائح على الجميع بالمعايير نفسها؟
هل تمنح الفرص وفق الكفاءة والاستحقاق؟
هل يتم احترام الاختصاصات الإدارية والفنية؟
هل تتم معالجة الأخطاء داخل المؤسسة بصورة مهنية، أم تتحول إلى صراعات إعلامية؟
هل تتحمل الإدارة مسؤولية قراراتها عندما تكون النتائج سلبية؟
هل يتم الاستماع إلى اللاعب والمدرب والموظف قبل إصدار الأحكام؟
هذه الأسئلة لا تستهدف شخصًا بعينه، وإنما تضع مفهوم الاحتراف أمام اختبار حقيقي.
ممارسات تتعارض مع أخلاقيات المهنة
هناك ممارسات قد تظهر في بعض البيئات الرياضية وتتنافى مع مبادئ العمل المهني، من بينها المحاباة، وتضارب المصالح، وعدم تكافؤ الفرص، والتدخل في الاختصاصات، وتسريب المعلومات، والإساءة الشخصية، والتشهير، وتحويل الخلاف المهني إلى خلاف شخصي، وعدم احترام المنافس، واستخدام الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي لتصفية الحسابات.
كما أن تحميل المسؤولية للآخرين بصورة مستمرة، دون مراجعة القرارات الإدارية أو الفنية، قد يؤدي إلى تكرار الأخطاء بدل معالجتها.
والأخطر من ذلك أن تتحول بعض الممارسات غير المهنية إلى أمر معتاد، بحيث يصبح الخطأ مقبولًا لمجرد أن الآخرين يفعلونه. فالاحتراف ليس عقودًا ورواتب فقط الاحتراف الحقيقي أوسع من العقود والرواتب والمنشآت والأجهزة الحديثة . الاحتراف يعني أن يعرف كل شخص حقوقه وواجباته وحدود صلاحياته، وأن يحترم زملاءه ومنافسيه، وأن يلتزم بالنظام، وأن يتحمل نتيجة قراره. وقد تمتلك المؤسسة أفضل الإمكانات، لكنها لن تحقق الاستقرار المطلوب إذا كانت الثقافة الداخلية تفتقد الثقة والعدالة والاحترام.
من المسؤول عن حماية أخلاقيات المهنة؟
المسؤولية مشتركة.
الإدارة مسؤولة عن بناء البيئة المهنية، والمدرب مسؤول عن سلوكه وقراراته، واللاعب مسؤول عن التزامه، والحكم مسؤول عن تطبيق القانون، والإعلام مسؤول عن المهنية والدقة، والجمهور مسؤول عن احترام المنافسة وعدم تحويل التشجيع إلى إساءة.
وعندما يؤدي كل طرف دوره الأخلاقي، تصبح الرياضة أكثر قدرة على تحقيق أهدافها، ليس فقط في النتائج، وإنما في بناء الإنسان والمؤسسة والمجتمع.
هل نحتاج إلى مدونة أخلاقية داخل كل نادٍ؟
ربما لا يكفي وجود اللوائح التقليدية وحدها، بل من المفيد أن تكون لدى الأندية مدونة واضحة لأخلاقيات المهنة تحدد السلوك المتوقع من جميع العاملين، وآلية التعامل مع المخالفات، وقواعد تضارب المصالح، وضوابط التواصل الإعلامي، وحماية الخصوصية، واحترام جميع أطراف المنظومة.
والأهم من كتابة المدونة هو تطبيقها بعدالة ووضوح، بحيث لا تكون هناك معايير مختلفة باختلاف الأشخاص أو المناصب.
